الى انّ العقل لا مسرح له في الأحكام الالهيّة النّفس الامرية الّا نادرا في بعض الامور البديهيّة كقبح الظّلم وحسن الاحسان.
بيان ذلك ان للحكم ثلث مراحل إحداها التعلّق بالوقائع وهو الّذى يعبّر عنه بانّ الصّلاة واجبة وشرب الخمر حرام والامر في هذه المرحلة الى الحاكم كيف شاء نعم حيث يكون الحاكم حكيما لا يجوز خلوّ حكمه عن المصلحة وليس لعقول الرّجال في هذه المرحلة مجال وينحصر طريق الكشف عنها في بيان الشّارع وامنائه عليهم السّلم لأنّ ادراك العقل لها يتوقّف على امرين احدهما ادراك الحسن والقبح في الأشياء والثّانى جزمه بانّ هذا الحسن والقبح علّة لإيجابه او تحريمه بحيث لا يمكن له التخلّف عنه وهذا غير معلوم الّا نادرا كما في الظّلم والإحسان بل خلافه معلوم كثيرا فيما وقع من جمع المختلفات وتفريق المجتمعات ضرورة ان غير الحاكم لا يطّلع على جهات حكمه سيّما اذا كان الحاكم هو الله جلّ جلاله وعظمته فانّى للعقول القاصرة ان يحيط على الجهات الّتى منها ينبعث احكام الله تعالى فانّ دين الله لا يصاب بالعقول وليس شيء ابعد عن دين الله من عقول الرّجال ولذا لم يعتمد احد من فقهاء اهل البيت عليهم السّلم بعقله في اثبات حكم من الأحكام من اوّل الفقه الى آخره وانّما هذه طريقة انفردت بها اهل الجماعة والسّنة في قبال اهل بيت العصمة صلوات الله عليهم حيث استعملوا الاقلية والاستحسانات وورد عنهم ع المنع وتشديد النّكير على ذلك وما وقع للعلّامة ونظرائهم قدّس الله ارواحهم من استعمال الاقلية والاستحسان في بعض الاحيان فانّما هو في مقابل العامّة حيث كانوا محشورين معهم وكانوا لا يرون للشّيعة فضلا لتقليدهم على ائمّتهم وعدم اعمالهم العقل والقياس الّذى كان الفضل والاجتهاد في نظرهم ذلك وما كانوا يتسلّمون من الشّيعة قولا اذا استندوا الى رواية من طريق اهل البيت ع فالإماميّة فعلت ذلك لالزامهم على الحقّ بطريقتهم الفاسدة ايضا والّا فالمدرك عندهم غير ذلك وهم متبرءون عن تلك الطّريقة كما هو غير خفىّ على الخبير بسيرهم وسلوكهم الثّانية التعلّق بالأشخاص ويعبّر عنه بالوجوب او الحرمة عليهم ويسمّى بهذا الاعتبار تكليفا والامر في هذه المرحلة ايضا موكول للحاكم كيف شاء ولمن اراد كالبالغ والعاقل او المستطيع ونحو ذلك ويمكن ان يكون للعقل ايضا دخل في ذلك كقبح تكليف غير المميّز وبعض اقسام غير المتمكن والثّالثة مرحلة التنجّز (١) وهو صيرورة الشّخص من التّكليف المتعلّق به بمثابة لا يعذر فيه فيتحقّق بمخالفته العصيان وميزان هذه المرحلة بيد العقل وهو الحاكم فيها اذ هى مرحلة الاطاعة والعصيان والعقل ما عبد به الرّحمن واكتسب به الجنان وبه يثاب ويعاقب كما دلّ عليه الأخبار ضرورة انّ يكون وظيفة العالم بتعلّق التّكليف عليه هو الامتثال اذ العلم بالتّكليف دليل على ارتفاع العذر لانّه علّة له وهو معنى التنجّز وان مخالفته ح عصيان يوجب استحقاق العقاب عليه ممّا يستقلّ به العقل وكذا كون وظيفة الجاهل به هى المعذوريّة في العمل وعدم العصيان ممّا يستقلّ به العقل وهذا هو المسمّى باصل البراءة ونظيره ساير الاصول العمليّة فانّها احكام عقليّة وتفصيلها مشروح في محلّه لا يناسب المقام وانّما الغرض بيان انّ استعمال
__________________
(١) فانّ حجّية العلم عبارة عن تنجيزه التّكليف وتنجزا التكليف ليس الّا عبارة عن ارتفاع العذر عنه والعلم لا يرفع الّا الجهل فلو لا انّ الجهل عذر عقلا لم يكن بحجيّة العلم معنى كما لا يخفى.
