او الاطمينان والوثوق به وكذا الحال في الهيئات وما شابهها فانّ المتّبع فيها هى القواعد العربيّة المعلومة بالاستقراء والاطّراد والتّبادر ونحوها وان كنت في ريب من ذلك فارجع الى نفسك واختبرها بالنّسبة الى الألفاظ المتداولة في لغتك حتّى تجد من نفسك انّك تعلم اوضاعها من مجازاتها علما ضروريّا فطريّا فيتّضح عندك ما ادّعيناه ولو فرض في بعض الموارد القليلة عدم امكان العلم بشيء من الطّرق المذكورة وكان اللّفظ ممّا يبتنى عليه الحكم الشّرعى كان المتّبع في تلك الصّورة الأصول العمليّة المقرّرة للشّاك والجاهل بحكم الواقعة ولا يجوز الاعتماد فيه الى قول اللّغوىّ حيث لا يفيد العلم خلافا لاغلب المتاخّرين من اصحابنا سيّما الأواخر منهم ممّن عاصرناهم او قاربوا عصرنا فانّ حجيّة قول اللّغوى بهذا المعنى عندهم من المسلّمات ولهم على ذلك طريقان احدهما انسداد باب العلم في اغلب موادّ اللّغة فيتعيّن الظنّ ومن جملته الحاصل من قول اللّغوى وفيه اوّلا ما عرفت من بطلان دعوى الانسداد ومعلوميّة اوضاع الفاظ كلّ لغة عند اهل لسانها بالعلم الفطرىّ الضّرورىّ ورجوع الجاهل اليهم ليس لحجيّة وخصوصيّة في قولهم بل هو كالفحص عن ساير المعلومات عند طائفة لتحصيل العلم بها وما ذكرنا من معلوميّة الاوضاع عند اهل اللّسان لا نريد به الّا العلم في الجملة بحيث يتميّز به الحقائق عن المجازات في الغالب الّذى هو مناط الكلام في هذا المقام لا المعرفة التّامة والإحاطة التّفصيليّة بجميع حدود المعنى الموضوع له الّتى يدور الوضع عليها بحيث لا يختلط الامر ولا يكون اشتباه وريب في مورد من الموارد ومصداق من المصاديق فانّ الوصول الى الغاية القصوى من هذه المرحلة لا يمكن لغير العالم بالغيب والخفيّات وامّا التّدرّج في بعض مراتبها فلا يتيسّر الّا للعلماء ذوى الخبرة والبصيرة كلّ بحسب قوّة نظره ومبلغ فهمه وتحصيل هذه المرتبة لا يتيسّر لكلّ احد ولا يمكن بالرّجوع الى كلّ اهل لسان وانّما تحصل بالتّامّل والتّدبّر التّام واعمال النّظر الثّاقب في موارد استعمال اللّفظ بعد استقصائها وملاحظة كيفيّات الاستعمالات ومقاماته وغير ذلك ثمّ تحصيل المعيار من الجميع ويختلف باختلاف قوّة الأنظار وضعفها واستفراغ الوسع في استقصاء الموارد والمقامات وعدمه وغير ذلك وهذه مرحلة لا يعتبر فيه قول احد من اهل اللّسان ولا مهرة الفنّ بل هى قسم من اقسام العلوم النّظرية الّتى لا تناط الّا بالنّظر والاجتهاد ويحقّ او يجب فيه التّعليم والتعلّم عند ارباب هذا العلم وهذه المرحلة اجنبيّة عمّا نحن بصدده في المقام ولنمثّل لك مثالا حتّى يتّضح لك الأمر مثلا الجاهل بمعنى لفظ الإنسان والبشر يحصّل معناهما بالرّجوع الى اهل هذا اللّسان [وتمييز الحقيقة عن المجاز ايضا لانّ اهل هذا اللّسان] يعلمون بالضّرورة من فطرتهم انّ هذين اللّفظين حقيقتان في افراد هذا النّوع المعروف ومجاز في الصّورة المعمولة من الطّين وغيره وهكذا الحال في ساير الفاظ لغتهم وهذا المقدار هو مرادنا من العلم في الجملة الموجب لتميّز الحقائق عن المجازات غالبا وهذه المرحلة هى محلّ الكلام في هذا المقام فانّ هذا المقدار من العلم هو الّذى لا يتحقّق ولا يستقيم بدونه امر المحاورة والتّكلّم ولا يمكن بدونه معرفة الأحكام
