حادثة بنفس ايجاد الكلام وكذلك المعانى الحرفيّة على الشرط ويشاركه الحروف في ذلك كلّ ما يشاركه في المعنى كالهيئات والأحوال الأعرابيّة والأسناد وهو المسمّى بالنّسبة اللّفظيّة والتّقديم والتّأخير والإطلاق في بعض المقامات وهكذا الأسماء المتضمّنة لمعانى الحروف واسماء الافعال وغيرها فانّ شيئا منها ليس محلّا لهذا التّقسيم وما يتراءى في بعض الموارد فليس من التّجوّز في الحروف كقوله تعالى (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) حيث توهّموا انّ كلمة في استعملت بمعنى على مجازا فانّك قد عرفت استحالة ذلك فانّ لفظة في أداة الظّرفيّة ولا يعقل انفكاكها عنها الّا انّ الظّرفيّة قد تكون حقيقيّة وقد تكون ادّعائيّة للتّشبيه كما في الجذوع وهذا امر يلاحظ في مدخول الحرف لا انّه يراد بالحرف غير ما وضع له فلفظة في لم تستعمل الّا في احداث ربط الظّرفيّة والمظروفيّة بين الجذوع والصّلب الّا انّ جعل الجذوع ظرفا لهذا النّحو من الرّبط ادّعائيّة فليس لفظة في هنا بمعنى على مجازا كما توهّموه وكقوله تعالى (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) حيث زعموا انّ اللّام استعملت في نقيض الغاية مجازا وفساده اوضح من سابقه اذ اللّام لم تستعمل الّا في معناها الّا انّه اقيم ما ترتّب على الالتقاط مقام الغاية الّتى لأجلها وقع الالتقاط والنّكتة فيه بيان قدرة الله تعالى حيث انّهم في مقام سعيهم في دفع خطر موسى ع وشدّة اهتمامهم فيه حتّى قتلوا الأطفال لأجله ابرم الله قضائه وانفذ امره فيه بايديهم فجعلهم يلتقطونه بايديهم وهم يزعمون أنّه يكون لهم ابنا محبّا فكانّهم التقطوه للوقوع في خطره واحزانه لا للتّبنّى والمحبّة كما زعموه وهذا كما ترى تصرّف وتنزيل في مدخول اللّام لا استعمال اللّام في معنى غير العلّيّة مجازا والحاصل انّه اقيم غير العلّة مقامها تنزيلا وادخل عليه أداة العلّيّة فالعلّيّة معنى اللّام لا تنفكّ عنها ابدا فما ذكره علماء العربيّة من انّ الاستعارة في امثال ذلك تبعيّة فان ارادوا ما ذكرنا فصواب حسن والّا فغير سديد اذ لا تجوّز لغوىّ هنا لا في لفظ الحرف ولا في الفاظ مدخوله وانّما جعل شيء ظرفا لربط ليس ظرفا له لغرض قصده المتكلّم.
فصل اختلف النّاس في الاشتراك والتّرادف فافرط قوم فاحالوهما وفرّط بعض فاوجب الاشتراك ولم اظفر بمن يقول بوجوب التّرادف واقتصد آخرون فنازعوا في وقوعهما وعدمه ومحلّ نزاعهم الالفاظ اللّغويّة الاصليّة لا الأعلام والمنقولات وامثالها ولهم من الطّرفين حجج واهية واقوى ادلّة المثبتين تنصيص ائمّة اللّغة واستقراء الفاظها واقوى ادلّة النّافين الاستقراء ولعلّ الصّواب معهم توضيح ذلك انّ نصّ ائمّة اللّغة لا يعتبر الّا في نقل مورد الاستعمال على ما ستسمعه إن شاء الله الله لا في تشخيص الموضوع له عن غيره فانّه امر لا مرجع فيه الّا الاجتهاد اذ لم يسأل الواضع ولا شاهد الوضع احد فحيث نصّ واحدهم بانّ اللّفظ موضوع لكذا فهو تخريج من عنده واستنباط بحسب ما ادّى اليه نظره فلا يعتبر فيه قوله فتنصيصهم بالاشتراك بين معنيين او التّرادف بين لفظين اخبار عما لا سبيل اليه الّا الاجتهاد فلا حجّيّته فيه ومنه يعلم ضعف استنادهم الى الاستقراء لانتهائه بالأخرة
