ولذلك اشباه ونظائر في العرف لا تعدّ ولا تحصى فليس استعمال اللّفظ في المعنى المجازى الّا من هذا الباب ولا ريب انّه امر راجع الى نفس المعنيين لا الى ربط بين اللّفظ والمعنى المجازى مجعول للواضع حتّى يتّبع فيه ميله ورضاه كما هو الحال في اللّفظ بالنّسبة الى معناه الحقيقىّ حيث انّه ربط بين اللّفظ والمعنى مجعول للواضع يجب فيه الاتّباع له فاتّضح انّ امر التّجوز غير مربوط بالواضع وانّما هو امر معنوىّ مرجعه الى تناسب المعنيين مناسبة تامّة يصحّ معها بحسب العرف قيامه موقعه وخلافته عنه واتّحاده معه اتّحادا عرفيّا تنزيليّا ومن الواضح انّ هذه جهة واقعيّة عرفيّة تختلف بحسب الموارد والمقامات خفاء ووضوحا اختلافا بيّنا يتعذّر الإحاطة بجهاتها او يستحيل الّا انّ اهل كلّ لسان بحسب فطرتهم وجبلّتهم الّتى اودعها الله فيهم يدركونها ادراكا اجماليّا بخلاف الأجانب عن هذه اللّغة والعرف فمن المحتمل ان يرجع ما نقل عن العلماء من احتياج المجاز الى التّرخيص الى ما ذكرنا لأنّهم لم يشترطوا حصول الأذن من شخص معيّن وانّما اعتبروا ان يستعمل نوعه اهل اللّسان وهذه عبارة اخرى عن انّه لا بدّ في الاستعمال المجازىّ من المناسبة التّامّة الواقعيّة الّتى يدركها اهل اللّسان طبعا وبالفطرة فذكر استعمال اهل اللّسان واعتباره كناية عن كونه امرا واقعيّا خفيّا لا يدركه كلّ احد حتّى الأجانب لا انّ استعمالهم له مدخليّة في صحّة استعمال غيرهم تعبّدا لكن هذا التّوجيه مناف لما سبق الى اوهام كثيرين من انّ استعمال اهل اللّسان يكشف عن ترخيص الواضع وتنصيصه لهم بتجويز الاستعمال وانّهم تلقّوه عن الواضع سماعا ولو لا ترخيص الواضع واذنه لما جاز الاستعمال ولو تحقّقت العلاقة والمناسبة كما نقل عن صريح التّفتازانى نسبة ذلك الى العلماء مدعيا عليه الوفاق وهو الظّاهر او الصّريح من غيره كالفاضل القمى ونظرائه وكلامنا متوجّه الى هؤلاء الجماعة وادلّتنا حجّة داهضة عليهم الخامس ان من البديهيّات انّ القوم شاهدوا كلمات العرب وتصفّحوها فوجدوهم اطلقوا بعض الألفاظ على غير معانيها الاصليّة بمناسبتها فعمدوا الى فهم تلك المناسبة فاجتهدوا بآرائهم وزعموا بمقتضى خيالهم انّ هذا الاستعمال بمناسبة الجزئيّة والكلّيّة وذاك بمناسبة السّببية وذلك بمناسبة الاوّل والمشارفة الى غير ذلك ممّا احصوها فليس في البين الّا استعمال المستعملين واجتهاد المجتهدين ولا دليل لهم في المقام وراءهما وشيء منهما غير صالح للدّلالة امّا اجتهادهم فهو دليل عليهم لا على غيرهم مع ما ستسمع من اشتباههم في كثير من تلك الموارد وعدم تمييزهم مناط الاستعمال فيها وامّا استعمال اهل اللّسان فلا يدلّ على كون امر التّجوز شيئا راجعا الى الواضع وانّ الواضع اذن لهم في تلك الموارد بشيء من الدّلالات بل هو الى ما ذكرنا اقرب وانسب ان لم يكن متعيّنا له السّادس انّه لو كان الأمر كما زعموه من كون التّجوز امرا راجعا الى الواضع لا بدّ من اذنه وترخيصه في انواع العلائق او اصنافها لضبطوا العلائق ونقلها نقلة اللّغة ولو في مقام من المقامات كنقلهم وضع الالفاظ وحقائقها ولم يكن وجه للاختلاف
