الألفاظ لمّا كان قسما من التّعين والاختصاص احتاج الى الأطراف الثّلاثة ايضا احدها اللّفظ الموضوع وهو المختصّ المتعيّن ثانيها المعنى الموضوع له وهو المختصّ به ثالثها جهة التّعين والاختصاص وهذه في الالفاظ ليست الّا تفهيم المعانى فاختصاص الاسم بالمسمّى ليس في جهة الملكيّة ولا الاستيجار وغيرهما وانّما هو في جهة تفهيمه والكشف عن ارادته وان شئت مزيد التّوضيح فافرض مثالا فانّ زيدا كما يعيّن فرسا لابنه في جهة المركوبيّة له ودارا لسكناه وثوبا للبسه كذا يعيّن اسما له في جهة تفهيمه عند الحاجة اليه لاثبات حكم عليه او سلبه عنه فاللّفظ مختصّ به ومتعيّن له في هذه الجهة كما يشهد بذلك اخذهم الدّلالة في تعريف الوضع حيث قالوا هو تعيين اللّفظ للدّلالة على المعنى لم يريدوا به كون الدّلالة علّة غائيّة له كما سبق الى بعض الأوهام لأنّ العلّة الغائيّة للوضع هو تسهيل الأمر على النّاس لا دلالة اللّفظ وحيث عرفت انّ الدّلالة عبارة عن افادة العلم بمعنى التّصديق كان تعيّن الاسم للمسمّى في جهة افادة العلم والتّصديق به وان شئت ان تقول انّ الغرض من تعيينه له افادة العلم به جاز لك هذا التّعبير كما يجوز لك ان تقول انّ الغرض من تعيين الدّار لزيد سكناه فيها وبمجرّد صحّة هذا التّعبير لا يصير علّة غائيّة له لأنّ الغرض اعمّ ولأنّ الوضع ربّما يكون تعيّنيّا فلا معنى للعلّة الغائيّة ح مع انّ جهة التّعين فيه ايضا هى الدّلالة وافادة العلم فانكشف بذلك انّ خطور المعنى من اللّفظ ليس جهة الوضع لما قدّمناه انّه جهل لا علم فلا يمكن ان يكون الأخطار دلالة وانّما هو امر نشاء من تحقّق الاختصاص والارتباط بين اللّفظ والموضوع له ولذا لا يتوقّف على الاستعمال بل كلّما حصل تصوّر اللّفظ حصل خطور المعنى معه كما انكشف انّ اللّفظ المفرد خال عن الدّلالة اذ المفرد لا يتعلّق به التّصديق وانّما التّصديق امر يتعلّق بالنّسبة بين الشّيئين فلا يتحقّق الدّلالة الّا بعد تاليف الكلام ليوجب التّصديق بصدوره من المتكلّم التّصديق بالنّسبة بين معنيي الجزءين المؤلّف منهما الكلام وهذا معنى قول من يقول انّ الألفاظ موضوعة للتّركيب اذ الدّلالة لا يتحقّق الّا بالتّركيب فوضعها للدّلالة عين وضعها للتّركيب لما عرفت انّ التّركيب توطئة للدّلالة وليس هذا الّا نظير قولهم ادوات الاستفهام موضوعة لطلب الفهم مع انّ الواقع انّها وضعت لأن يطلب بها مدخولها ولا تدخل الّا على كلام تامّ خبرىّ فهى آلة الاستخبار بما دخلت عليه ولمّا كان الغرض من بعث الشّخص على الأخبار هو التوسّل به الى العلم بالخارج صارت أدوات لطلب فهم الواقع تصوّرا او تصديقا فيصحّ لك ان تقول انّها موضوعة للاستخبار او موضوعة للاستفهام فانّهما شيء واحد اذ الأوّل توطئة للثّانى فكذا كون الألفاظ موضوعة للتّركيب او للدّلالة اذ الأوّل توطئة اليه وبذلك يظهر بطلان توهّم من قال انّ وضع الألفاظ للتّركيب خلاف البداهة ومن اعتقد ذلك فقد خالف الضّرورة زعما منه انّ من يقول ذلك يريد به كونها كحروف الهجاء فرماه بالفساد فان قلت اللّفظ قيل التّركيب امّا موضوع او مهمل لا سبيل الى الثّانى لأنّه خلاف الفرض وعلى الأوّل يلزم انفكاك فصل التّعين عنه اذ المفروض انّه لا دلالة له وقد ذكرت انّ
