تحقّق الأثر بدونه وهو اعمّ من الفعل والتّاثير فالمؤثر والسّبب والعلّة ليس الّا نفس المقتضى نعم السّبب التام والعلّة التّامّة عبارة عن المقتضى مع اجتماع الشّروط وقابليّة المحلّ وفقد الموانع فالدّالّ والدّليل ما اقتضى افادة العلم وان لم يفد فعلا لفقد شرطا ووجود مانع او مزاحم واليه يرجع ما ذكروه في تعريف الدّليل من انّه ما يمكن التّوصّل بصحيح النّظر الى آخره حيث اخذوا قيد الإمكان وليس مرادهم بذلك الإمكان مقابل الامتناع كما زعموه وزعموا انّه لادخال الأدلّة المغفول عنها بل مرادهم به الصّلوح الاقتضائيّ الّذى به قوام الدّليليّة لا بفعليّة الدّلالة وبذلك يصحّ دخول الأدلّة المغفولة عنها اذ الغفلة تمنع عن فعليّة افادة العلم لا اقتضائها الثّابت لها في نفسها فالغفلة عن الدّليل لا توجب انسلاخها عن الدّليليّة فالكتاب والسّنة دليل وان لم يستدلّ بهما احد او لم يلتفت اليهما او لم يوجد احد في الدّنيا وامّا لو اغمض عن ذلك واعتبر الفعليّة في قوامهما فحمل الإمكان في التّعريف على مقابل الامتناع لا يصلح الأمر بل يفسده لأنّ الأدلّة المغفول عنها على هذا التّقدير ليست ادلّة حقيقة واخذ الإمكان لا يثمر ازيد من ان يجعلها امورا يمكن ان تصير ادلّة فالمعيار على الاقتضاء لا على الامكان المقابل للامتناع فالزّعم المشار اليه زعم غير مفيد او غير صحيح والعلم قد مرّ انّه بمعنى الانكشاف وهو ان تعلّق بالنّسبة بين الشّيئين كان تصديقا وان تعلّق بنفس الشّيء فهو تصوّر وقد مرّ انّ التّصوّر المعدود قسما من العلم وقسيما للتّصديق هو التّصوّر بمعنى المعرفة لا التّصوّر بمعنى الخطور بالبال المجامع للاحتمال فانّه جهل محض وليس من العلم في شيء اذ الشّاكّ في انّ الإنسان حيوان ناطق جاهل وفاقد للتّصوّر مع انّ الخطور موجود فيه ولفقده التّصوّر بمعنى المعرفة والعلم يحتاج الى الاكتساب من المعرّف الّذى هو المحمول لافادة التّصوّر ولا معنى لاكتساب الخطور من المعرّف كما لا يخفى وقد مرّ تفصيل ذلك وحيث عرفت انّ التّصوّر هى المعرفة والمعرفة عبارة عن الإحاطة بكنه الشّيء والاكتساب من المعرّف عبارة عن تحصيل هذه الإحاطة يعد ما لم تكن حاصلة والحمل لافادة التّعريف عبارة عن هذا الاكتساب فهو وان كان في صورة القضيّة والتّصديق الّا انّه تصوّر محض ومرجعه الى فكّ حقيقة الشّيء عن نفسه في ظرف التّحليل والاعتبار فالموجود اوّلا هو تصوّر الإنسان بوجه ما ثمّ تصوّر الحيوان النّاطق على وجه التّفصيل ثمّ الجزم بانّه هو هو ولا ريب انّ هذا الجزم عين الإحاطة بكنه الإنسان وحقيقته وليس تصديقا بالنّسبة بينهما اذ ذلك فرع المغايرة ولا مغايرة بين الإنسان والحيوان النّاطق ضرورة عدم المغايرة بين الشّيء ونفسه وانّما المغايرة بين مراتب تصوّر حيث كان تصوّرا بالوجه فتبدّل الى التّصور بالكنه فالتّعريف عبارة عن اكتساب تصوّر غير حاصل من تصوّر حاصل ولا بدّ من وحدة متعلّق التّصورين فما يقرع سمعك من انّ المعرّف ما يلزم من تصوّره تصوّر المعرّف ليس معناه الّا استلزام تصوّر الشّيء لتصوّر آخر في ذلك الشّيء لا استلزام تصوّر شيء لتصوّر شيء آخر اذ من المستحيل ان يستلزم معرفة ماهيّة لمعرفة ماهيّة
