على الكلام لا امران يكشف عنهما الفاظ الكلام بل معنى اللّفظ في الجميع شيء واحد وانّما استعماله في مقام الحكاية عن الواقع يوجب صيرورته اخبارا فالأخباريّة امر يحدث من اعمال اللّفظ على وجه مخصوص في مقام خاصّ ومبيّن هذه الجهة في الاستعمال هو اطلاقه وعدم اقترانه بشيء على ما عرفت فكون الكلام اخبارا عنوان يعرض له بعد الاستعمال لا امر يكشف عنه الاستعمال وكذا كونه انشاء فانّه مقابل الأخبار الّا انّه يحتاج الى آلة تصرفه عن الانصراف الى مقام الحكاية فان معنى لفظ زيد قائم في مقام حكاية الواقع عين معناه في مقام الاستفهام وانّما الفرق في انّ ذكر هذين اللّفظين واحضار معناهما واقع في جهة حكاية الواقع والأخبار عنه او في جهة الاستخبار عنه فالأخبار بالكلام او الاستخبار به عن الواقع عنوانان للكلام يطرءان عليه من جهة كون استعماله في محلّ الأعلام او في محلّ الاستعلام لا معنيان يرادان من الكلام غاية الأمر كون محلّ الكلام اعلاما لا يحتاج الى علامة لانصراف الكلام بنفسه اليه وكون محلّه استعلاما يحتاج الى علامة وهى أداة الاستفهام فالفرق بين الخبر والإنشاء ليس باختلاف مداليل الألفاظ الكلام وانّما هو باختلاف جهة استعماله وكذا الحال في الأثبات والنّفى فانّ مدلول لفظى زيد قائم في مقام الأثبات عين مدلولهما في مقام النّفى في الكشف عن النّسبة بينهما الّا انّه قد يذكر في مقام اعلام ثبوت هذه النّسبة وقد يذكر في مقام اعلام نفيها لكن كون وقوعه في محلّ الأثبات لا يحتاج الى علامة لانصراف الكلام بنفسه اليه نظير ما عرفت في الأخبار وكونه في محلّ النّفى يحتاج الى علامة وهى أداة النّفى فحروف النّفى آلات لجعل الكلام منفيّا اى واقعا في محلّ النّفى وكون استعماله في هذه الجهة.
ومنها حروف الجرّ قال ابن حاجب انّها وضعت لافضاء الفعل او معناه الى ما يليه قال الشّارح الرّضى المراد بالإفضاء الوصول اى لإيصال فعل الى ان قال وسمّاها بعضهم حروف الاضافة لهذا المعنى اى تضيف الأفعال الى الأسماء اى توصلها اليها قال بعضهم ومن هذا سمّيت حروف الجرّ لأنّها تجرّ معناها اليها انتهى وهذا كما ترى اعتراف من الماتن والشّارح بانّ حروف الجرّ موضوعة لإيجاد الرّبط واحداثه بين العامل والمعمول وايصال احدهما الى الأخر لكنّها على انحاء مختلفة بعضها وضعت لمطلق الإفضاء والتّعدية والارتباط كالباء وبعضها وضعت لارتباط وافضاء مخصوص فمن للافضاء بالمبدإ والى بالمنتهى وفى بالمحلّ وحتّى بالغاية وعلى بالمستعلى عليه وهكذا غيرها وهذا هو الوجه في كون الباء اصل الحروف الجارّة وليس لأصالتها وفرعيّة غيرها معنى وراء ذلك ومنه يظهر سرّ قيامها مقام غيرها وتعويضها عمّا عداها حيث الغيت خصوصيّة الرّبط واريد مطلق الارتباط ومن الأوهام السّخيفة توهّم انّ الباء تجيء بمعنى ساير الحروف بعينها وان لا فرق بين قام في الدّار وبالدّار وبين نام على الفراش وبالفراش وبين تجاوزت عنه وبه وبين احسن الىّ وبى لأنّه مخالف لضرورة الوجدان فانّه شاهد صدق على الفرق وانّ الباء حيث تستعمل لا يراد بها الّا مطلق الرّبط الخالى عن الخصوصيّة لا انّها تستعمل في الرّبط المخصوص الّذى يتكفّله ساير الحروف فقيام الباء مقامها غير مجيئها بمعناها ولأنّه
