٣ ـ ان الحروف لم توضع لمعنى اصلا ـ حتى يتكلم فيما هو الموضوع له ـ بل هي موضوعة لافادة الكيفية التي يكون عليها مدخولها ، نظير علامات الاعراب التي تدل على ان اللفظ فاعل او مفعول ، فكلمة (في) في قولنا : زيد في الدار تدل على ان الدار ظرف ، و (من) في قولنا : سرت من البصرة ، تدل على ان البصرة ابتدئ بالسير منها. وهذا القول نسب الى الشيخ الرضي ايضا. وبطلانه واضح ، اذ لا ريب في انها كالاسماء موضوعة لمعان تدل عليها ، وبدونها لا يتحقق مقصود المتكلم فانه في مقام اظهار مقاصده وافهامها المخاطبين يحتاج الى الفاظ تعبر عن المعنى الاسمي والحرفي ، فالحروف تدل على معان نسبية لا تحصل للجملة بدونها ، فتكون موضوعة لدلالة عليها ، ومدلول الحروف غير ما تدل عليه الحركات الاعرابية لان هذه الحركات موضوعة لتمييز النسبة التي يدل عليها اللفظ قبلها.
واما القول الثاني فما ادعي فيه من اتحاد المعنى الاسمي والحرفي ، وانه لا فرق بينهما إلّا باللحاظ ، لان الاسم يلحظ مستقلا في نفسه ، والحرف يلحظ في غيره ، كالعرض الذي يوجد في موضوعه ، غير تام وذلك : لتغاير المعنيين ، لان الاسم له وجود مستقل في ذاته ذهنا وخارجا ، والحرف ليس له هذا الوجود أصلا لان معناه جزئي هو نسبة وربط قائم ذهنا وخارجا بين منتسبين ، لانه اذا لم يوجد طرفا هذه النسبة لا يكون لها وجود اصلا ، فاذا قلنا مثلا : العز في طاعة الله) لم يفهم من (في) الا معنى ربطي هو نسبة وربط بين (العز وطاعة) فاذا فقد طرفاها او فصلناها عن الجملة لم يكن لها هذا المعنى الربطي ، ولا نجد لها في الذهن معنى يقع عليه التصور ، واما بقية مفردات الجملة فانها مع التركيب والانفراد تدل على معناها.
فالحروف ليست كالعرض لان له وجودا مستقلا في نفسه وان كان لا يوجد في الخارج الا في موضوعه ، والحروف لا وجود لمعانيها في
![قواعد استنباط الأحكام [ ج ١ ] قواعد استنباط الأحكام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4642_qawaid-istehkam-alahkam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)