بادراكه تقتضي ان لا يتميز ـ كما هو ظاهر كلام الغزالي (١) ـ حسن الفعل وقبحه الا بالشرع.
والجواب اولا :
ان دليلهم هذا لا ينفعهم ، لانه يثبت وجود الحسن والقبح العرضي ولا يمنع من وجود الذاتي منهما ، فالصدق يمكن ان يتغير كما ذكروا فيكون قبيحا ، ولكن العدل لا يكون إلّا حسنا وإلّا لم يكن عدلا ، ولا يكون الظلم الا قبيحا وإلّا لم يكن ظلما ، فمورد الاختلاف المذكور ليس هو الفعل الذي يكون الحسن او القبح فيه ذاتيا ، فما يكون احدهما فيه ذاتيا كالعدل والظلم لا ينفك عنه كما ذكرنا.
وثانيا : ان ما يكون حسنا او قبيحا بالعرض يستقل العقل بحسنه وقبحه ، ولا يتوقف حكمه بذلك وباستحقاق المدح والذم عليهما على الشرع ، خصوصا بعد الالتفات والتنبه الى ان ما بالعرض ينتهي الى ما بالذات ، فان الكذب النافع حسن لما عرض عليه من عنوان نجاة المؤمن ولكنه ينطبق عليه عنوان الاحسان وهو حسن بذاته ويستحق عليه عقلا المدح ، والصدق الضار قبيح لما عرض عليه من عنوان اهلاك المؤمن ، ولكنه ينطبق عليه الظلم وهو قبيح بذاته ويستحق عليه الذم.
وقد استدل على نفي الحسن والقبح في الافعال مطلقا بما يلي :
اما في افعال الله تعالى فلانه مالك للعباد فكل ما يفعله تصرف في ملكه فلو عاقب المطيع واثاب العاصي لم يأت بقبيح لانه تصرف في محل سلطانه ، وهذا الدليل ذكره المحقق الخراساني في (فوائده) ولم اعثر عليه في كتب السنة ، واما في افعال العباد فلانهم مجبورون عليها ولا شيء من افعال المجبور بحسن ولا قبيح ، وهذا الدليل ذكره في
__________________
(١) راجع كتابه المستصفى من الاصول ج ١ ص ٥٦ ـ ٥٧ ط الاميرية بولاق مصر سنة ١٣١٢ ه.
![قواعد استنباط الأحكام [ ج ١ ] قواعد استنباط الأحكام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4642_qawaid-istehkam-alahkam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)