لانه مناف لما في طبيعة الانسان من الحياء ـ اذا جعلناه من الغرائز دون الاخلاق الفاضلة ـ وهكذا القول فيما يناسب او ينافي غريزة الغيرة والشهامة والحمية ، وهذه الانفعالات والتأثرات العاطفية ينزه عنها الشارع لانها من صفات الممكن الحادث فلا مجال لان يقال : ما يحسن او يقبح فيها ، يحسن عند الشارع بل نرى الشارع يحكم لاجل المصلحة على خلاف ما تقتضيه الرقة البشرية كأمره بالجلد والرجم للزاني والزانية وجلد شارب الخمر ، وقطع يد السارق.
(الثالث) ـ ان ما ذكرناه آنفا من ان النزاع في حسن العدل وقبح الظلم انما هو بمعنى استحقاق المدح على فاعل الاول ، والذم على فاعل الثاني ، لم ينفرد ـ الامامية والمعتزلة ـ بالقول فيه بالحسن والقبح الذاتي وباستقلال العقل في الحكم بهذا الاستحقاق ، بل وافقهم عليه الفلاسفة لان الحكم بالاستحقاق المذكور مما اتفقت عليه آراء العقلاء ، وجعلوا الحكم المذكور ـ في قولنا العدل حسن والظلم قبيح ـ من القضايا المشهورة (١) التي لا واقع لها الا الشهرة ، واطلقوا عليها اسم (التأديبات الصلاحية) (٢) و (الآراء المحمودة) التي تقتضيها المصلحة العامة ، والتي تطابقت عليها الشرائع الالهية كقولنا : الطاعة واجبة ، وذلك كله يعلم من مراجعة كلام الرئيس ابن سينا في (منطق الاشارات) وشرحها للحكيم العظيم (الخواجة) نصير الدين الطوسي (٣) ومن كلام العلامة قطب الدين صاحب المحاكمات وسار على طريقهم بعض الاعاظم ممن
__________________
(١) المقابلة لقسم الضروريات المذكورة في الصناعات الخمس.
(٢) تأديب النفس والفكر رياضتهما بالنظر والتأمل فيما ينبغي أو لا ينبغي وما يحسن وما لا يحسن عند العقلاء ، فالقضايا التأديبية هي التي لا يحكم العقل فيها بمجرد تصور طرفيها بل يحتاج الحكم فيها الى تأدب ، أي الى رياضة الفكر ونظر وتأمل في اطرافها.
(٣) ج ١ ص ٢٢٠ ـ ٢٢١ ط الحيدرية في طهران سنة ١٣٧٧ ه.
![قواعد استنباط الأحكام [ ج ١ ] قواعد استنباط الأحكام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4642_qawaid-istehkam-alahkam%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)