الجبال الغنيّة المتجدّدة
(وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ) (فاطر : ٢٧).
توقّفنا مطوّلا عند معاني كلمة «جدد» وقد قصرتها معظم كتب التفاسير التي تيسّر لنا الاطّلاع عليها بالطرائق جمع طريق ، وبذلك قصرت معنى الآية الكريمة أعلاه على ما يلي : «خلق الجبال فيها الطرائق المختلفة الألوان» ، علما أن لكلمة «جدد» معاني عدّة كما جاء في لسان العرب :
الجدد : جمع جدّة هي الطرائق أو الطرق ، والجدد أيضا جمع جدّة وهي الشيء المتجدّد ، يقال جدّ الثّوب أي صار جديدا ، والجدّ هو الغنى كما جاء في دعاء الرسول الكريم : «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» ، بمعنى لا ينفع الغنيّ منك غناه ، فمن معاني «الجدد» عدا الطرائق ، الأشياء المتجدّدة الغنيّة.
من هنا نجد ، والله أعلم ، أن لقوله تعالى : (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ) معنى آخر ، أي أن المولى جعل من بعض الجبال جبالا ذات تجدّد وغنى ، فهل كشف علم الجبال شيئا من هذا القبيل؟
بدأ استكشاف القطب الجنوبي منذ سنة ١٨٢٠ فتبيّن أنّه قارّة تغطّيها الثلوج المتجمّدة التي ترتفع إلى علوّ ١٥٠٠ متر ، وهذا الجبل الهائل من الجليد المتجدّد منذ مئات الملايين من السنين يشكّل ٩٠ خ من مخزون المياه العذبة ، التي أودعها الخالق في الأرض.
وجبال الحديد والنحاس والذهب وسائر الأحجار الكريمة والرّخام المختلف ألوانها هي أيضا مصدر ثروة قلّما ينضب ، بل إنه يتجدد بصورة بطيئة مع مرور الزمن بالرغم من الاستنزافات التي تتعرّض لها بفعل الإنسان وعوامل الطبيعة كالهواء والشمس والماء ، ذلك بأن للجبال جذورا في طبقات الأرض ، وكلما استنزفت قمم الجبال وهضابها ارتفعت جذورها من أعماق الأرض
