٤ ـ فوائد الجبال
(وَالْجِبالَ أَرْساها. مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ)
الجبال هي العامل الرئيسي في تخزين المياه العذبة وتثبيت التربة ، ولو لا الجبال لذهبت أكثر المياه المتساقطة من السماء إلى البحر دون أن تتخزّن في الأرض ولانجرفت معها التربة.
هذه الحقيقة العلميّة والتي تبدو بديهة اليوم ، لم يعرفها العلم إلا منذ مائة سنة ونيّف : فقد كان أكثر علماء المياه الجيولوجية يعتقدون حتى أواسط القرن التاسع عشر أن مصادر المياه العذبة والينابيع الجوفيّة متأتّية من مياه البحر التي تتسرّب إلى داخل طبقات الأرض حيث تتخلّص من ملوحتها ثم تتفجّر أنهارا لتعود إلى البحر من جديد ، أما التنزيل فقد أشار إلى أن مصادر المياه العذبة هي من السماء وليس من البحر : (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ) (الحجر : ٢٢) ، كما أشار إلى دور الجبال العالية في تخزين المياه وتكوين الأنهار العذبة ، فنهر «النيل» لم تعرف مصادر مياهه إلا في القرن التاسع عشر (١٨٦٢) على يد المستكشفين «سپايك» و «غرانت» اللذين أثبتا أن مياه «النيل الأبيض» تتأتّى من اصطدام بخار الماء المتصاعد من «المحيط الهندي» بجبال «القمر العالية» في «كينيا» حيث يتكثّف لدى اصطدامه بقمم الجبال الباردة فيتحوّل إلى شلّالات هي مصدر مياه «النيل الأبيض» ، وكذلك الأمر بالنسبة لنهر «الكنغو» ، ونلاحظ الربط بين الجبال العالية والمياه العذبة في قوله تعالى : (وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً) (المرسلات : ٢٧). والجبال تلعب دور المصفاة بالنسبة للثلوج التي تكلّلها والمياه المتساقطة عليها بحيث ترشح المياه بصورة تدريجيّة بطيئة إلى الطبقات الداخليّة فيها والأرض القريبة منها حيث تتخزّن مياه جوفيّة ، ولو لا الجبال لذهب القسم الأكبر من المياه المتساقطة من السماء إلى البحر مصداقا لقوله تعالى أيضا : (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) (المؤمنون : ١٨).
