السماوات والأرض والجبال ، وهي في عالم الغيب ، الأمانة ، أي السيادة على بقيّة المخلوقات ، فقبلها الإنسان وحملها ، وأشفقت السماوات والأرض والجبال على نفسها من حمل هذه الأمانة وفضّلت أن تكون مسيّرة من خالقها. وعوامل التطوّر لا يعقل أن تجعل من الإنسان مخيّرا مسئولا عن أعماله دون سائر المخلوقات : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب : ٧٢).
٥ ـ نظريّة «داروين» في التطوّر وما شابهها من فرضيّات تجعل من عوامل الطبيعة خالقا ومطوّرا للأنواع الحيّة ، وأما في التنزيل فالآيات الكريمة التي تطرّقت إلى موضوع الخلق فتقول صراحة إن المولى قدّر كلّ شيء في هذا الوجود قبل خلقه وفقا لخطّة مرسومة سلفا ولدور وقدر محدّدين له سلفا : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (القمر : ٤٩) (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان : ٢) (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) (الأعلى : ٣) ، بمعنى أن المولى سبحانه وتعالى جعل من الأرض مهادا للإنسان وبقيّة المخلوقات الحيّة قبل أن يخلق هذه الأخيرة كما جاء في القرآن الكريم : (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصّلت : ٩ ـ ١٢).
وعند ما أوجد الخالق المخلوقات الحيّة على ظهر الأرض زوّدها بما يؤهّلها لأن تعيش وتتأقلم مع البيئة التي أوجدها عليها ، ولم يترك للبيئة أو للصدفة أو للضرورة كما يقول منظّرو تطوّر الأحياء ، مهمّة تزويد الأحياء بما يؤهّلها للعيش في محيطها : (قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (طه : ٤٩ و ٥٠). وبمثل أقرب إلى ذهن القارئ ، فإن الدبّ القطبيّ زوّده المولى بجلد مكسوّ بصوف أبيض يؤهّله للعيش في المناطق
