عن استنقاذ ما يسلبه الذباب منها! والذباب حتى الآن يسيطر على مساحات واسعة من الكرة الأرضيّة ويسلبها ، بمعنى أن الإنسان لا يستطيع العيش فيها لا بل حتى الدخول إليها! والذباب قد يسلبنا قوانا الصحّيّة وحتى حياتنا ، فهو الناقل والمسبّب لأكثر الحميّات ومنها الحميّات الدّماغيّة القيروسيّة ، وحتى الآن لم يجد الطبّ العلاج الشافي منها. وهكذا ، وبالرغم من ضعف الذبابة ، يبقى الإنسان ضعيفا أمامها ، ضعيفا أمام محاكاة عظمة الصنعة في خلقها ، وضعيفا أمام ما تسلبه إياه من موارده الغذائيّة أو قواه الصحّيّة. ويكفي التذكير فقط بأن مرض النوم ، وهو التهاب دماغيّ قاتل تنقله ذبابة «التسي التسي» ، ما يزال يتسبّب بآلاف الحالات من الموت في إفريقيا ، علما أن لهذه الذبابة في الوقت نفسه أوجها خيّرة ، فهي التي منعت الرجل الأفريقي من القضاء على الحيوانات البرّية وتدمير بيئتها ، لأن الذبابة الناقلة لمرض النوم قاتلة للإنسان وماشيته ، ولكنها لا تؤذي الحيوانات البرّيّة.
ولقد تساءل علماء الأحياء عن سرّ المناعة التي خصّ بها المولى الذباب والبعوض ، وهي الناقلة لأفتك الأمراض والحمّيات ، فبعض الذباب يحمل في السنتيمتر المربّع من جسمه ما يقرب من خمسة ملايين جرثومة ، والدراسات على جهاز المناعة عند هذه الحشرات أثبتت أنه من أبسط أجهزة المناعة في المخلوقات الحيّة وأجداها وأسرعها. ويحاول العلم اليوم أن يسبر غور مجاهل هذا الجهاز المناعي العجيب السريع والفعّال عند الذباب والبعوض للاستفادة منه في تحسين المناعة عند الإنسان خاصّة في أمراض نقصان المناعة أو انعدامها ، وهي الأخطر والأصعب معالجة حتى الآن. والذباب يأتي في المرتبة الثالثة في سلّم المخلوقات بعد النمل والبعوض من حيث تعداده ، ولو لا رحمة الله ، بتسليط كثير من مخلوقاته كالطيور والنمل والأسماك والمكروبات والفيروسات وغيرها على الذباب ، لغطّت جيوش الذباب سطح الكرة الأرضيّة وجعلت الحياة عليها مستحيلة خلال عدّة أيام. فهناك أنواع من الذباب تتكاثر بصورة مذهلة بحيث لو قدّر لجميع بيوضها أن تفقّس وتعيش وتتوالد لنتج عن
