وهناك نوع آخر من العناكب إذ عند ما تعلن الأنثى منه عن رغبتها بالتزاوج بواسطة مادّة عطرة أو اهتزازات خاصّة بأسلاك نسيجها فعلى الذكر المنتظر منذ مدّة لهذه الإشارة أن يكون حذرا ، إذ عليه أوّلا للوصول إلى الأنثى من خلال نسيجها أن يسلك خيوطا معيّنة وطريقا معيّنا من بين آلاف الأسلاك التي تشكّل نسيج بيت الأنثى ، وإن أخطأ ، اعتبر فريسة وقتل بدون رحمة. وبعد أن يصل إلى الأنثى عليه أن يخدّرها لكي تمكّنه من نفسها ، وعليه أن يحسب فترة التزاوج بحيث لا تطول عن مدّة محدّدة هي فترة تخدير الأنثى ، وإلا ذهب ضحيّة بقاء النوع وقتلته الأنثى بدون رحمة ..! فكيف يشرح لنا المادّيّون وأنصار الصدفة والتطوّر والطبيعة الأسباب المنظّمة لهذه العمليّات المعقّدة الدقيقة في تزواج العناكب : (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ) (غافر : ٨١) ، (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الروم : ٢٧).
ملاحظة : أنثى العناكب تسمّى عنكبوت ، والذّكر يسمّى عنكب ، والقاعدة العامّة في علم العناكب ، أن الأنثى هي التي تبني بيتها ، وتبقى قريبة منه متربّصة بطريدتها ، أمّا الذكور فهي طوّافة أي لا تبني بيتا تصطاد بواسطته كالأنثى. هذه الحقيقة العلميّة لم تعرف إلا بعد اكتشاف المجهر والمكبّر منذ أن بدأت الدراسة العلميّة الرصينة للحشرات في القرن الثامن عشر.
نريد من هذا التوضيح لفت نظر القارئ إلى إعجاز علميّ في قوله تعالى (اتَّخَذَتْ بَيْتاً) (العنكبوت : ٤١). ففي زمن التنزيل لم يكن أحد يعرف أن أنثى العناكب عند الغالبيّة من أنواع العناكب هي التي تبني البيت وليس الذكر.
