وما أن يتذوّقه حتى يستسيغ طعمه ، ولا يبقى من عمل للعاملات والمدافعات عن الخليّة إلا استدرار هذا الشراب المخدّر اللذيذ الذي تفرزه الخنافس التي تستغلّ هذه الفرصة فتبيض بيضها في عشّ النمل ، وسرعان ما تنمو يرقاتها وتتغذّى على يرقات النمل ، ودون أيّ دفاع من قبل الحاضنات من النمل لأن الكلّ انشغل في امتصاص رحيق الخنافس المخدّر ، واستفادت هذه من عشّ النمل فباضت وفقّست وتغذّت يرقاتها على حساب النمل الأحمر ، وهو عادة من أشرس أنواع النمل في مهاجمة كلّ غريب عن مملكته! من علّم هذه الخنافس الصغيرة هذه الحيلة ، ومن زوّدها بهذه المادّة المخدّرة؟ الطبيعة؟ وكيف يشرح «داروين» وأنصار «داروين» من خلال نظرية التطوّر هذا التصرّف السلوكيّ عند نوع معيّن فقط من الخنافس وعند نوع معيّن من النمل من بين آلاف الأنواع طالما أن عوامل الطبيعة التي حاولوا من خلالها شرح السلوك الحيواني تسري على جميع أنواع الخنافس والنمل؟
* نوع آخر عجيب من الطفيليّات التي سلّطها المولى على النمل حفظا لتوازن البيئة في تعداد المخلوقات ، وهو من الخنافس الذهبيّة التي لا تتوالد إلا على حساب نوع معيّن من النمل ، وبذلك تحدّ من انتشاره وطغيانه ، إذ تفتّش الخنافس الذهبية عن نوع معيّن من النمل الأحمر هو من أشدّ أنواع النمل شراسة ، ثم تفرز مادّة كيميائيّة تجعل النمل الأحمر المفترس غير عابئ بوجودها ، ثم تبيض بيضها وتغلّفه بمادّة هلاميّة ذات رائحة تجذب النمل وتجعله يأخذ البيض إلى عشّه اعتقادا منه أنه غذاء ، وبعد أسابيع تخرج يرقات الخنافس الشرهة فتفترس قدرا محدّدا من يرقات النمل ، وبذلك يحدّد المولى التوازن الطبيعيّ في أعداد المخلوقات. نتساءل هنا كما تساءل العالم الذي استقينا منه هذا المثل من عالم الحشرات العجيب ، من وراء ذلك! منطق الطبيعة أم التطوّر ، أم الصدفة ، أم ما ذا؟ بل القيّوم سبحانه وتعالى الذي قال في محكم كتابه (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود : ٥٦) ، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (القمر : ٤٩) ، (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان : ٢) ، (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) (الحجر : ١٩).
