تعالى : (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) (الرحمن : ٢٤) ، (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها) (يس : ٣٨) ، (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ) (الحاقّة : ١١). (بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها) (هود : ٤١). (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ...) (يونس : ٢٢).
الخنّس : جمع خانس ، من خنس أي قبض واستخفى وتوارى وغاب.
الكنّس : جمع كانس وكانسة ، من كنس أي مسح القمامة ، وفي معان أخرى غاب واستتر.
على ضوء ما تقدّم شرحه يتبيّن لنا أن المولى قد أقسم في قوله أعلاه بكلّ شيء متحرّك خفيّ قابض وكانس للقمامة وله مكان يأوي إليه ، والأمثلة القليلة التالية عن بعض (بِالْخُنَّسِ. الْجَوارِ الْكُنَّسِ) تعطي فكرة مبسّطة عن المعاني الكامنة في قوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوارِ الْكُنَّسِ).
في جميع المخلوقات الحيّة ، أشياء خفيّة تجري ليل نهار وظيفتها كنس الأحياء وتخليصها من القمامة التي تدخلها أو تتولّد في داخلها بفعل عوامل التمثيل والاحتراق التي تحصل داخل خلاياها : فكريات الدم الحمراء تجري ليل نهار لتقبض على غاز ثاني أوكسيد الكربون المضرّ بالجسم وتطرحه خارجا من خلال عمليّة التنفّس ، وخلايا الدم البيضاء تجري ليل نهار ووظيفتها كشف المكروبات والأجسام المضرّة التي تدخل الأحياء وملاحقتها وقبضها وقتلها وكنسها ، وفي أجسام الأحياء ، آلاف الموادّ الكيميائيّة التي تجري في كلّ جزء من الجسم لتخلّصه من الأشياء المضرّة التي تدخله.
ومن بين المخلوقات الحيّة ، هناك مئات الآلاف من الأنواع التي تجري ليل نهار متخفّية عن أعين الكثيرين ، وظيفتها كنس القمامة من الأرض. ففي كل حفنة من تراب أحياء مجهريّة ، وغير مجهريّة ، وظيفتها تحويل الأحياء التي ماتت ودفنت في الأرض إلى العناصر التي كانت تتألف منها ، ولو لا تلك المخلوقات التي سمّاها علماء الأحياء «مخلوقات القمامة» لتكدّست في الأرض جثث الأحياء وفضلاتها ، فالجوار الخنّس الكنّس هي مخلوقات لا حصر لها ،
