وللجامع ثلاث صوامع (١) : واحدة في الجانب الغربي ، وهي كالبرج المشيّد ، تحتوى على مساكن متسعة وزوايا فسيحة يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير ، وبها كان معتكف أبي حامد الغزالي ، [وثانية بالجانب الشرقي] ، وثالثة بالجانب الشمالي. وللجامع مال عظيم من خراجات ومستغلّات تنيف على الثمانية آلاف دينار في السنة.
وكان هذا الجامع ظاهرا وباطنا منزلا كلّه بالفصوص المذهبة ، مزخرفا بأبدع زخارف البناء ، فأدركه الحريق مرتين (٢) فتهدّم وجدّد وذهب أكثر رخامه واستحال رونقه.
ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة ، يتّقد ذهبا كلّه ، قد قامت في وسطه محاريب صغار ، وفي الرّكن الشّرقي من المقصورة الحديثة في صفّ المحراب خزانة كبيرة ، فيها مصحف عثمان الذي وجّه به إلى الشّام ، وتفتح الخزانة كل جمعة إثر الصلاة فيتبرّك الناس بلمسه وتقبيله ، ويكثر الزحام عليه. وهناك مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي ، رضياللهعنهما ، ثم نقل إلى القاهرة.
وعن يمين الخارج من باب جيرون غرفة لها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفّر ، وقد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبّرت تدبيرا هندسيا ، فعند انقضاء ساعة من النّهار سقطت صنجتان من صفّر من فمي بازيين مصوّرين من صفّر قائمين على طاس صفّر تحت كل واحد منهما ، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب ، والثاني تحت آخرها ، والطاستان مثقوبتان.
__________________
(١) المراد بهذه الصوامع مآذن الأموي الثلاث : الغربية والشرقيّة والشمالية (العروس) ، علما أن الغربية كما يذكرها المؤلف أعيد بناؤها فيما بعد ، عام ٨٩٣ ه بأمر السّلطان قايتباي. سنفصّل في ذكرها بالجزء الثالث عند الحديث عن لوحة سفير البندقيّة.
(٢) كانت الأولى عام ٤٦١ ه في قتال بين المصريين والمغاربة بأيام الفاطميين ، راجع نصّ ابن فضل الله العمري أدناه. أما الثانية فلعلها حريق ٥٦٢ ه أو ٥٧٠ ه أو ٦٤٦ ه أو ٦٨١ ه. لكن أشهر حريق كان عام ٧٤٠ ه ، بمحاولة دنيئة قام بها بعض الفرنجة ، راجع خبرها في الجزء الثالث من كتابنا هذا. غير أن المفترض أن الحميري لم يدرك هذه الحادثة!