ومما يلي الباب الغربي ـ وهو باب الجابية ـ المصلّى ، وتسير من المدينة في بساتين إلى باب صغير وعليه خمس صوامع للرّهبان (١).
وفي سور دمشق فتح كالأبواب ، تدخل منها الأنهار إلى المدينة وهي تجري داخل المدينة وتخرق دورها وأسواقها ، والأسواق كلها مسقفة على هيئة سقوف المسجد الجامع بها ، وأرضها مفروشة.
ومسجد جامعها بناه الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين ، وهو داخل المدينة ، وليس على وجه الأرض مثله بناء ولا أحسن صنعة ولا أتقن إحكاما ولا أبدع منه تلميعا ، بأنواع الفصوص المذهبة والآجرّ المحكوك والمرمر المصقول ، فمن جاء من ناحية باب جيرون صعد إليه في درج رخام نحوا من ثلاثين درجة ، ومن قصده من ناحية باب البريد والقبّة الخضراء وباب الفراديس كان مدخله مع الأرض بغير درج. ومن عجيب شأنه أنه لا تنسج به العنكبوت ، ولا يدخله الطائر المعروف بالخطّاف.
وفيه آثار عجيبة منها الخزّان ، والقبّة الني فوق المحراب عند المقصورة ، يقال إنها من بناء الصابئة ، وكان مصلّاهم بها ، ثم صار في أيدي اليونانيين فكانوا يعظّمون فيه دينهم. ثم صار بعدهم لعبّاد الأوثان ، فكان موضعا لأصنامهم. ثم انتقل إلى اليهود ، فقتل في ذلك الزمان يحيى بن زكريا فنصب رأسه على باب المسجد المسمّى بباب جيرون ، ثم تغلّب عليه النّصارى فحوّلته بيعة يقيمون بها دينهم.
ثم افتتحها المسلمون فاتّخذوه جامعا ، فلما كان في أيام الوليد بن عبد الملك ابن مروان جعل أرضه رخاما ومعاقد رؤوس أساطينه ذهبا ، ومحرابه مذهبا وسائر حيطانه مرصّعة بأشباه الجوهر ، والسّقف كله مكتّب بأحسن صنعة وأبدع تنميق. وأنفق في هذا المسجد خراج الشّام كلّه سنتين.
__________________
(١) أظنّه يريد الأديرة والكنائس التي كانت خارج السّور بظاهر الباب الشرقي وباب كيسان ، وما يليها من جهة المقابر المسيحية ، أي في عصرنا تجاه الطّبالة والدّويلعة.