بالإجمال ، يقدّم لنا الحميري نصّا فريدا ومعلومات جديدة مهمّة عن دمشق ، بالإضافة إلى قصص وموادّ أخرى لا نجدها البتّة لدى سواه. وما وصمه به بعض الباحثين ـ كأستاذنا الدكتور صلاح الدّين المنجّد ـ من كون نصّه منقولا برمّته عن المصادر المعروفة ، لا نرى فيه نصيبا كبيرا من الصحّة.
برغم ذلك كلّه ، لا نستطيع أن نجزم بأن الحميري زار دمشق ، كما بيّنا في تعليقاتنا أدناه. لكن بعض ملاحظاته الدّقيقة في وصفها تدلّ على أنه نقل عمّن رآها رأي العين وخبرها بدقّة ، بيد أن مصدره هذا يبقى مجهولا ، وإن كنت أظنّه من بعض رحّالي المغاربة. أو فالاحتمال الآخر الوحيد هو أن يكون نقل عن نسخة أكمل ممّا بين يدينا من «نزهة المشتاق» للإدريسي (توفي عام ٥٦٠ ه) ، فمن خلال مقارنة بسيطة نجد أن الحميري ينقل عبارات هذا الأخير ، ويضيف إليها عبارات وتفاصيل أخرى لا ندري مصدرها. أما وصفه الأنيق للقصر الأبلق فما مصدره فيه ، طالما أنه بني عام ٦٦٥ ه بعد وفاة الإدريسي وابن جبير؟!
أما فرضيّة الدكتور إحسان عبّاس حول احتمال وقوع وفاة الرّجل بحدود عام ٧٤٩ ه في وباء (موتان) ألمّ بالمغرب ، فقد يؤيّدها ما يذكره الحميري أدناه عن إصابة الأموي بحريقين اثنين «فأدركه الحريق مرّتين» ، فأما الحريق الأول فهو بلا مراء الذي وقع عام ٤٦١ ه ، لكن هل يكون الثاني هو حريق عام ٧٤٠؟ وهل كان الحميري حيّا آنذاك؟ أستبعد ذلك ، والعلم عند الله وحده.
المصادر :
الدّرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ، ٤ : ٣٢.
صفة جزيرة الأندلس ، مقدّمة پروقنسال بالفرنسية.
الرّوض المعطار للحميري ، مقدّمة إحسان عبّاس.
تاريخ الأدب الجغرافي العربي لكراتشكوفسكي ، ١ : ٤٤٧.
مدينة دمشق عند الجغرافيين للمنجّد ، ٢٩٤. وفيه غلط بعصر المؤلف.