والقسم الثاني : تحت الأرض منها مدينة أخرى من متصرّفات المياه والقنيّ وجداول ومسارب ومخازن وقنوات تحت الأرض كلّها ، حتى لو حفر الإنسان أين ما حفر من أرضها وجد مجاري الماء تحته مشتبكة طبقات يمنة ويسرة ، شيئا فوق شيء.
والقسم الثالث : مسوّرها وما فيه وحوله من المعمور. وكأنّما هي في وصفها طائر أبيض في مرج أخضر يترشّف ما يصل إليه من الماء أوّلا فأوّلا.
ومن خصائص دمشق أيضا أن الحيّات لا تلدغ داخل سورها أبدا ، وهنّ قليلات الوجود فيها وفي غوطتها ونواحي أرضها.
وعدد بساتينها ماية ألف وأحد وعشرون ألف بستان تسقى بماء واحد يأتي إليها من أرض الزّبداني. ومن وادي بردا عين تنحدر من أوّل الوادي ومن عين الفيجة ، وينبعث نهرا واحدا يسمّى بردا ، ثم يتفرّق سبع فرقات ، كل فرقة نهر يسمّى باسم. منهم : نهر يزيد : فتحه يزيد بن معاوية فسمّي به. ونهر ثورة : فتحه ملك من ملوك الرّوم اسمه ثورة فسمّي باسمه. ونهر بانياس : فتحه بلنياس الحكيم اليوناني فسمّي باسمه. ونهر القنوات ، وكلاهما (١) يجريان إلى داخل المدينة ويتفرّقان في المصارف والبرك والقنيّ والحمّامات والطهارات. ونهر مزّة : منسوب إلى قرية تسمّى المزّة ، وكان اسمها المنزّه لما بها من صحّة الهواء وصفاء الماء وحسن القصور وطيبة الثّمار وكثرة الزّهور والورد واستخراج الماء منه ، حتى أن حراقته تلقى على الطرقات وفي دروبها وأزقّتها كالمزابل فلا يكون لرائحته نظير ، ويكون ألذّ من المسك إلى مدّة انقضاء الورد (٢).
ثم نهر داريّا سادس النّهور ، وهو أرفعها مجرى وأبعدها مقسما. وداريّا قرية عظيمة المغل والأرض ، وبها قبر أبي مسلم الخولاني وقبر أبي سليمان الدّاراني.
__________________
(١) يريد بذلك نهري بانياس والقنوات اللذين يجريان بداخل دمشق القديمة ضمن السّور.
(٢) يذكر المؤلف هنا صفة تقطير ماء الورد بدمشق ، لكنني أؤخّر ذلك إلى ختام النص.