وممّا ورّخه المؤرّخون في سنة تسع وتسعين وستماية (١) أن الزّرّاع زرعوا المباطخ بغرّارتين ونصف بزر بطّيخ أصفر ، ثم أصابه البرد فأهلكه ، فاستأنفوا زرعه بمثله بزرا. وحضر ذلك مشدّ الشام بلبان (٢) الجوكندار الذي كان نائب قلعة صفد ، أخبر به وورّخ عنه.
وسابع النهور نهر البردا الجاري في قرارة الوادي ، ولا يقبل إلا الارتفاع من مجراه ، منه تقسّمت الأنهار المذكورة. ثم ينقسم من هذه الأنهار فرق وجداول وتتفرّق متشعّبة بأراضي الغوطة ، حتى لا يبقى منها بقعة يمكن وصول الماء إليها إلا ويصل ويركبها سقيا لها بحساب وتسقيط معلوم في الليل والنهار بساعات معلومة لا تزيد ولا تنقص. ثم يخرج عمود بعد ذلك وينبعث في جهة الشرق ويسقي قرايا وضياعا وأراضي مرجيّة وصحراويّة ، حتى يصبّ آخره في بحيرة شرقي دمشق بأرض عذراء ينبت بها القصب.
وهذه البحيرة (٣) يصبّ فيها نهر آخر يسمّى الأعوج ، يجتمع عند تحلّل الثّلج ومن عصارات المياه والمواصي فيكون نهرا كبيرا.
(نخبة الدّهر ، ص ١٩٣ ـ ١٩٨)
__________________
(١) يدلّ هذا التاريخ أن تأليف شيخ الرّبوة لكتابه نخبة الدّهر إنما كان في مطلع القرن الثامن بعيد عام ٧٠٠ ه ، فهو يذكر سنة ٦٩٩ ه كتاريخ مضى لا ينطبق على أيامه.
(٢) في المطبوع : بلبنان ، تصحيف. وترجمه ابن حجر في الدّرر الكامنة ، ١ : ٤٩٣ : بلبان الجوكندار : كان من المماليك القدماء ، ثم ترقّى إلى أن ولي نائب صفد سنة ٦٩٩ ، ثم ولي نيابة قلعة دمشق وشدّ الدّواوين بها قبل ذلك ، ثم نيابة حمص ومات بها سنة ٧٠٦.
(٣) هذا غلط نستغربه من شيخ الرّبوة العارف بطبوغرافية دمشق فالمعروف أن نهر بردى يصبّ في بحيرة العتيبة أما الأعوج ففي بحيرة المرج (الهيجانة) ، وليستا بحيرة واحدة!