دمشق
والقسم الأول من الثّمانية وبه دار الإمارة الكبرى في عصرنا دمشق ، وتسمّى جلّق الخضراء والغوطة وذات العماد ، وهي مدينة عادّية أزليّة سهليّة جبليّة من أنزه بلاد الأرض وأطيبها وأحسنها وأبهجها. وبها الجامع المتفرّق الحسن والجمال والكمال ومن أعاجيب الدّنيا ، توقد فيه في ليلة النّصف من شعبان اثنا عشر ألف قنديل بخمسين قنطارا دمشقية زيت الزّيتون ، غير ما يوقد بالمدارس والمساجد والتّرب والخوانق والرّبط والمارستانات. وترخيم حيطانه من أعجب شيء يراه الإنسان ، والرّخام في سائر حيطانه ، وفوق الرّخام تفصيص بشبك الزّجاج المصبوغ والمذهّب والمفضّض وعروق اللؤلؤ ما هو ملء الجامع من داخل حيطانه.
وسائره منقوش بتلك الأصباغ على صور الأشجار والمدن والحصون والبحار وكل ما أمكن تصويره من غير المحرّم منه. ويقال إن عمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة قال : لو علمت أن هذا الفسيفساء يردّ ما أنفق عليه قلعته. والمنفوق على زخرفته في أيام سليمان بن عبد الملك بن مروان أربعون صندوقا من الذّهب الأحمر ، غير الرّخام والبناء القديم.
وسعة الجامع طولا من المشرق إلى المغرب مائتان واثنان وثمانون ذراعا ، وعرضه مائتان وعشرة أذرع. وعلى سطحه الرّصاص ألواح مفروشة بدلا من الطين ، كلّ لوح نحو من نصف قنطار دمشقي إلى ما دونه. ومن خصائصه أنه لا يوجد فيه عنكبوت أصلا ، لا في سقوفه ولا في حيطانه ، ولا يفرّخ فيه عصفور مع كثرته فيه ولا يعشّش فيه ، ولا يوجد فيه وزغة. وشهرته تغني عن وصفه.
ودمشق مقسومة ثلاث قسمات : قسم مبثوث العمارة في غوطتها ، لو جمع لكان مدينة عظيمة ما بين جواسق وقصور وقاعات وإسطبلات وطواحين وحمّامات وأسواق ومدارس وترب وجوامع ومساجد ومشاهد ، غير القرى والضّياع الأمّهات ، وهذا الذي ذكرناه لا يوجد بغيرها أصلا.