وقال ابن مطرف في ترتيبه : الرّبوة فيها ثماني لغات : ربوة ، وربوة ، وربوة ، ورباوة ، ورباوة ، ورباوة ، ورابية ، وربي ، والجمع ربى.
والرّبوة مغارة لطيفة بسفح الجبل الغربي ، وبه صفة محراب يقال إنه مهد عيسى عليهالسلام يزار وينذر له. وبها جامع وخطبة ومدارس وعدّة مساجد (١) ، وبها قاعات وأطباق. وفيها عين ماء يقال لها «الملثّم» ومرابط للدّواب وبها سويقتان قاطع بينهما نهر «بردى» ، وبها صيّادو السّمك يصطادون (٢) ، والقلّايون على جبل النّهر يقلونه. ويذبح فيها كل يوم خمسة عشر رأسا من الغنم ، خلاف ما يجيئها من اللحم من المدينة ، وبها عشرة شرايحية ليس لهم شغل غير الطبخ والغرف في الزّبادي والصحون ، وكل ما تشتهيه الأنفس فيها. وبها فرنان وثلاثة حوانيت برسم عمل الخبز التّنوري ، وأما الفواكه فلا قيمة لها فإني اشتريت الرّطل بربع درهم ، وكذلك الرّطل الدمشقي من المشمش مثله والتفّاح كذلك.
وبها حمّام ليس على وجه الأرض نظيره لكثرة مائه ونظافته ، وله شبابيك تطلّ على النهر ، وهو مبني ما بين الأنهر من فوقه ومن تحته. وبها طارمة المسجد الدّيلمي الذي جدّده نور الدّين الشهيد (٣) ، وله أوقاف على قرّاء ووعّاظ وقراءة البخاري وغير ذلك كالمؤذن والفرّاش والبوّاب والوقّاد. وفيه يقول تاج الدّين الكندي :
|
إنّ (نور الدّين) لمّا أن رأى |
|
في البساتين قصور الأغنياء |
|
عمّر (الرّبوة) قصرا شاهقا |
|
نزهة مطلقة للفقراء |
__________________
(١) لم يبق في عصرنا أي شيء من ذلك ، إنما هناك كتابة أثرية نادرة على متن الصخرة المعروفة ب «المنشار» ، تؤرخ بناء مسجد هناك عام ٤٤٤ ه في أيام الخليفة المستنصر الفاطمي.
وهذه الكتابة من أقدم وأندر الكتابات الأثرية الإسلامية بدمشق ، إلا أنها تقبع في مكانها لا ينتبه لها أحد ، وكانت تعرّضت لبعض التّلف عند توسيع طريق الرّبوة قديما.
(٢) أي كان في نهر بردى عند الرّبوة سمك ، وكانت مياهه عذبة شروبة!
(٣) الطارمة : كشك تعلوه قبّة خشبية. أما المسجد فهو ما تؤرّخ له الكتابة الفاطميّة المنحوتة بعارض صخرة المنشار ، فأصل البناء يعود إلى عهد الخليفة المستنصر عام ٤٤٤ ه.