وأما ساحة تحت القلعة فإنك لا تستطيع أن ترى أرضها لكثرة ما به من المتعيّشين والوظائفية. ويتخلّل بينهم أرباب الحلق والفالاتيّة والمضحكون وأصحاب الملاعيب والحكوية والمسامرون ، [و] كل ما يتلذّذ به السمع ويسرّ العين وتشتهيه النفس صباحا ومساء على هذا لا يفترون ، لكن المساء أكثر اجتماعا ويستمرّون إلى طلوع الثّلثين. وهو عبارة عن ثلاثة طبول متفرّقة بأعلى القلعة ، يضربون الثلث الأول كل واحد منهم ضربة ، والثلث الثاني من الليل يضرب كل واحد ضربتين ، والثلث الآخر من الليل يطلع المؤذّن على منارة العروس بالجامع الأموي ، ويعلّق لهم قنديل الإشارة ، فيضرب كل واحد منهم ثلاث ضربات ويسوق الثلثين من التسبيح والأذان الأول ، إلى السّلام ينتهي الضرب.
وبها خطبتان : الأولى بآخرها بالمدرسة المؤيّديّة ، والثانية بصدرها في جامع يلبغا (١). وهو من أحسن الجوامع ترتيبا ومتنزّها ، بصحنه بركة ماء مربّعة داخلها فسقية مستديرة بها نوفرة يصعد منها الماء قامة ، ومن فوقها مكعب عليه عريشة عنب ملوّن يصل الماء إلى قطوفها الدّانية. وبجانبيها حوضان فيهما من أنواع الفواكه وأجناس الرياحين. وله شبابيك تطلّ على جهاته الثلاث : الأولى على تحت القلعة من جهة الشرق ، والجهة الثانية تطل على بين النهرين وهي الغربية ، والجهة القبلية تنظر إلى نهر بردى وما هناك من الأشجار والأزهار ، وهناك شجرة حور يحتاط بها أربعة رجال فلا ينظر الواحد لمن يقابله لعظم ساقها. وللجامع ثلاثة أبواب : الأول الشرقي وهو في صدر تحت القلعة ويسمّى باب الحلق ، والثاني شماليه يخرج إلى الميضأ ويسمّى باب الفرج ، والثالث غربي ينحدر منه في درج إلى أول الوادي ويسمّى باب المنزه. انتهى.
(نزهة الأنام ، ٦٢ ـ ٦٥)
__________________
(١) كان جامع يلبغا الشهير يقوم إلى الجهة الشمالية من منطقة بين النهرين (ساحة المرجة حاليا) بناه نائب الشام المملوكي يلبغا اليحياوي عام ٨٤٧ ه ، وكان ثالث أكبر جوامع دمشق ـ بعد الأموي وجامع المصلّى ـ ومن أبهاها وأفخمها. بدئ بهدمه عام ١٩٦٠ دون أي سبب يدعو إلى ذلك ، ولم أدركه مع الأسف إلا في الصور.