وفيما يتعلّق بالجانب الأول ، فهو يورد بعض التفاصيل التاريخية والمعمارية الهامة ، ثم يختتم كتابه بذكر من عاش بدمشق من الصحابة والمشاهير ، وعن مقابر المدينة وما بها من أضرحة ومزارات معروفة. أما توزيع مادّة الكتاب فغير متجانس ، ويلوح أن المؤلف قد افتتن بصورة خاصة بالأشجار والأزهار والبقول والثمار التي تنمو بدمشق ونواحيها ، فخصّص لها ثلاثة أرباع الكتاب تقريبا ، وهو ينقل عن مصنّفات مختلفة في الطبّ والنبات ، حول الفوائد الطبية والغذائية لكل ما يذكره من نباتات.
أما أسلوبه الكتابي فلا يخلو أحيانا من التكلّف ، وتنتثر فيه الاستشهادات الشعرية وفقا للموضوع الذي يعالجه. وهو بالرغم من إقامته بدمشق ومعرفته الجيّدة بجامعها الأموي ، فقد آثر عند وصفه له أن يعمد إلى النقل من رحلة ابن جبير الشهيرة التي ترقى إلى القرن السادس الهجري ، وهي ظاهرة منتشرة لدى الجغرافيين العرب جميعهم. ويلوح للدّارس أن نصّ البدري قد اكتسب حظا وافرا من الشهرة بالشام ، فنقل عنه غير واحد من البلدانيين اللاحقين. وبشكل عام ، يبقى كتابه هذا أحد أهم وأطرف المصادر عن مدينة دمشق المملوكية ، ولا غنى عنه لكل من يتصدّى للبحث في تاريخها المدني بتلك الفترة.
طبع الكتاب للمرة الأولى في المطبعة السلفيّة بمصر عام ١٣٤١ ه ، ضمن منشورات المكتبة العربية ببغداد ، بعناية صاحبها نعمان الأعظمي. وهي طبعة سيئة مشحونة بالأغلاط. ثم صدرت في بيروت عن دار الرائد العربي عام ١٩٨٠ طبعة منقولة حرفيا عن طبعة بغداد زادتها ضغثا على إبّالة ، وبقي الكتاب ـ على أهميته ـ إلى يومنا هذا بغير طبعة علمية تستوفي حقّه من الضبط والتحقيق. هذا ما حدا بي هنا إلى استخلاص فصول كاملة من الكتاب ، وتصحيحها مع التعليق عليها قدر الإمكان. إلّا أنني انتخبت من الكتاب ما يتعلق بالطبوغرافيا التاريخية والمعلومات البلدانية فقط ، وأهملت الفصول المطوّلة التي أسهب فيها المؤلف بذكر نباتات دمشق وفوائدها الطّبية ، الأمر الذي أثقل في الحقيقة على الكتاب وشوّش منهجيته وتبويبه.