ميدان الحصا بدمشق
ثم توجّهنا من دمشق حماها الله إلى مدينة النبي ، أهلّ هلال شوّال ليلة الجمعة عام ٦٨٤ ه ، وكان سفرنا من ظاهر دمشق من الموضع المعروف بميدان الحصا (١) ، عصر يوم الإثنين الحادي عشر من شوّال. وعاينّا في ذلك اليوم عند خروج الناس للوادع ما يسيل الدموع. فبتنا تلك الليلة بالموضع المعروف بالقيساريّة على ضفّة النهر ، ورحلت سحر اليوم الثاني عشر. ونزلنا منازل بالطريق ، سالكين إلى مدينة بصرى ، وهي مدينة حوران. وضبط هذا الاسم بضمّ أوله وإسكان ثانيه ، وفيه يقول المتلمّس :
|
لم تدر بصرى بما آليت من قسم |
|
ولا دمشق إذا ديس الكراديس |
أراد ديس زرع الكراديس ، وهو موضع بدمشق ، وفيها يقول أيضا :
|
فبيد المثاني والمشارف دونه |
|
فروضة بصرى أعرضت فسبيلها |
ورأيت بلدا محكم الأسوار قديم الآثار ، أبواب دوره من منحوت الأحجار ... ولم نلق بها أحدا من العلماء ، ومنها يتزوّد الناس بالماء إلى الموضع المعروف بوادي الأزرق. ولقينا هناك الشيخين الفاضلين عفيف الدين عبد الرحيم بن بدر الدين الزجّاج وابن أخيه أبا القاسم ، قدما من بغداد.
(ملء العيبة ، جزء ٥ ، مخطوطة الإسكوريال)
__________________
(١) ميدان الحصا هو المعروف في أيامنا اختصارا وتحديدا بحي الميدان ، وهو من أحياء دمشق الجنوبية ، على الطريق السلطاني المتّجه إلى الحجاز وفلسطين ومصر. كان مبتدأ أمره تجمعا سكنيا صغيرا نشأ في أيام الفاطميين وعرف بالقبيبات لقيام دور صغيرة ذات قباب طينية ، على النّسق الموجود إلى يومنا في الشمال بمحافظتي حلب وإدلب. ثم نما الحي في عهد المماليك والعثمانيين إلى : الميدان التحتاني والوسطاني والفوقاني ، بأحياء وأزقة كثيرة (منها السّلطاني والقرشي وأبو حبل والثريّا والقاعة والجزماتية والحقلة). وغدت للميدان أصوله الخاصّة في التراث الشعبي الدمشقي وتنافس مع حي الشاغور ، وتباهى أهله بكرمهم ونخوتهم و «عزيمتهم الميدانيّة». تعود أصول سكّان الميدان إلى الأرياف الشاميّة عموما ، ومنهم من ورد من بلدان المغرب العربي والعراق وسواها. وظهر منهم في العهد العثماني فئة من طبقة الأغوات ، كآل العابد وسكّر والمهايني.