دامت هذه الحملة عامين ٨٧٥ ـ ٨٧٧ ه ، ونجحت نجاحا باهرا بالقضاء على تمرّد هذه الدولة الصغيرة المعتبرة آنذاك بحكم التابعة للمماليك ، وبأسر شاه سوار نفسه مع أربعة من إخوته ، ثم تلا ذلك إعدامه بالقاهرة. وجاء هذا الانتصار المبين بعد إخفاق ثلاث حملات قبله ، مما أكسبه روعة ووقعا كان جديرا بأن تدوّن حوادثه في كتاب خاص ، وأن يشاد مبنى أثري تذكاري لهذا الانتصار. فأقام نائب الشّام الأمير برقوق بأعلى جبل قاسيون بدمشق قبّة لتخليد النصر ، بقيت بعض آثارها إلى عام ١٩٤٢ من عصرنا الحاضر ، وعرفت طوال خمسة قرون بقبّة النّصر ، أو قبة النّصر على سوار.
كان قاضي العسكر ابن أجا الحلبي حاضرا لجميع وقائع هذه الحملة ، وقد شارك بنفسه في بعض المفاوضات في أثنائها ، وتولّى مهمة التأريخ لوقائعها في نصّه المذكور ، وأفادنا بمعلومات ذات شأن كبير عن أوضاع الدولة المملوكية وجيشها في المرحلة ما قبل الأخيرة من نهايتها ، وهو يفصّل في وصف الموكب الفخم الباذخ المرافق للأمير يشبك ، والذي تعمّدت السّلطات الحاكمة من خلاله إظهار قوّتها. وذكر دخوله دمشق مرتين : الأولى في رحلة الذهاب ، في ذي القعدة ٨٧٥ ه ، والثانية في رحلة الإياب إلى القاهرة ومعه شاه سوار أسيرا ، في صفر ٨٧٧ ه.
ومع ذلك ، فإن أحداث هذه الفترة المذكورة تشكّل بدايات الفصل الأخير لأيام دولة المماليك في مصر والشّام والحجاز ، وما هذه الصّراعات الجانبية مع دويلات الثّغور في شرقي الأناضول إلا واجهة للتنافس بين السّلطنة المملوكية والدولة العثمانية الجديدة التي تمكنت أخيرا من فتح القسطنطينية عام ٨٥٧ ه ، وبدأت تتطلّع إلى تزعّم العالم الإسلامي وبالتوسّع نحو الأناضول ثم الشّام ومصر.
هذا الصّراع تنامى في أيام السّلطان المملوكي الظاهر خشقدم ، ثم ازداد في أيام خلفه الأشرف قايتباي والسّلطان العثماني بايزيد بن محمد الفاتح ، وذلك عن طريق تأليب العثمانيين لإمارتي دلغادر وقرمان.