وسار إلى جهة دمشق ، ونحن في خدمته (١) ، إلى أن وصل إلى مدينة دمشق في يوم الإثنين خامس عشر شعبان ، واجتاز بمدينة دمشق بأبّهة السّلطنة وشعار الملك في موكب جليل. وحمل الأمير جارقطلو (٢) نائب الشام القبّة والطّير على رأسه ، إلى أن نزل بالدّهليز السّلطاني بمنزلة برزة خارج دمشق ، وكذلك جميع أمرائه وعساكره نزلوا بخيامهم بالمنزلة المذكورة ، ولم ينزلوا بمدينة دمشق شفقة على أهل دمشق.
وأقام السّلطان بمخيّمه خمسة أيام ، وركب فيها غير مرّة ودخل دمشق ، وطلع إلى قلعتها مرارا.
ثم رحل السّلطان من دمشق بأمرائه وعساكره ، في يوم السبت عشرينه ، يريد البلاد الحلبيّة. فحصل للعسكر بعيض مشقّة لعدم إقامته بدمشق ، من أجل راحة البهائم. ولم يعلم أحد قصد السّلطان في سرعة السّير لماذا.
* * *
وسار حتى وصل إلى حمص ثم إلى حماة ، فخرج الأمير جلبان نائب حماة إلى ملاقاة السّلطان بعساكر حماة ، فأقام السّلطان بظاهر حماة المذكورة ثلاثة أيام ، ثم رحل منها يريد حلب. ولم يدخل السّلطان حماة بأبّهة السّلطنة كما دخل دمشق ، لما سبق ذلك من قواعد الملوك السّالفة أن السّلطان لا يدخل
__________________
(١) إشارة إلى أن المؤلّف كان واحدا من أفراد الرّكب السّلطاني في هذه الرّحلة.
(٢) كتب ابن تغري بردي الاسم : جار قطلى ، على قاعدة كتابة الأحرف الصوتية الأخيرة في التركية بألف مقصورة. ومن هنا مصدر الغلط في نطق الأسماء التركيّة بالعربية ، مثل : كوكبوري (وصوابها كوك برو) وبوري ابن طغتكين (برو : bo ? ru ?). ومعنى جارقطلو في التركية : Car ? ـ Kutlu مربّع السّعد ، فجار تصحيف للفارسية : جهار ، رقم ٤.
وجارقطلو كان أمير كبير الدّيار المصرية ، ثم ولي نيابة الشام عام ٨٣٥ ه حتى وفاته سنة ٨٣٧ ه ، وكان عفيفا ذا سيرة حسنة ، كما يذكر محمد ابن طولون الصالحي في كتابه «إعلام الورى» ، ٤٧. وفي أيامه زار دمشق الرّحالة البورغندي برتراندون دى لا بروكييرBertrandon de la Broquie ? re ، في عام زيارة الأشرف ١٤٣٣ م ـ ٨٣٦ ه.
قلت : وأعقابه ما زالوا إلى اليوم بدمشق (آل الشّرقطلي) ، وأظنّهم يجهلون نسبتهم هذه.