دمشق
وأما المملكة الشاميّة فإنها مملكة متّسعة جدا ، وهي عدّة أقاليم ومدن وقلاع ، وقد تقدّم أن مدينتها العظمى دمشق. وهي مدينة حسنة إلى الغاية تشتمل على سور محكم وقلعة محكمة ، وبها طارمة مشرفة على المدينة ، بها تخت المملكة مغطّى لا يكشف إلا إذا جلس السّلطان عليه (١).
وفضائل الشام كثيرة ، وبها جوامع حسنة ومدارس وأماكن مباركة وشوارع وأسواق وحمّامات وبساتين وأنهر وعمائر تحيّر الواصف فيها. قال بعض المفسّرين في قوله تعالى : (إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ) : وهي دمشق.
وبها بيمارستان لم ير مثله في الدنيا قطّ ، واتّفقت نكتة أحببت ذكرها :
وهي أني دخلت دمشق في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة ، وكان بصحبتي شخص عجمي من أهل الفضل والذّوق واللطافة ، وكان قاصدا الحجّ في تلك السنة ، وألّف مناسك الحجّ على أربعة مذاهب. فلمّا دخل البيمارستان المذكور ونظر ما فيه من المآكل والتّحف واللطائف التي لا تحصر قصد اختبار حال البيمارستان المذكور ، فتضاعف وأقام به ثلاثة أيام ، ورئيس الطبّ يتردّد إليه ليختبر ضعفه. فلمّا جسّ نبضه وعلم حاله وصف له ما يناسبه من الأطعمة الحسنة والدّجاج المسمّن والحلوا والأشربة والفواكه المتنوّعة. ثم بعد ثلاثة أيام كتب له ورقة من معناها أن «الضيف لا يقيم فوق ثلاثة أيام!». وهذا في غاية الحذاقة والظرافة.
وقيل إن البيمارستان المذكور منذ عمّر لم تنطفئ فيه النّار.
وأمّا جامع بني أميّة فهو أحد العجائب الثلاث ، ولقد رأيت في بعض التواريخ أن عجائب الدنيا ثلاث : منارة الإسكندرية ، وجامع بني أميّة ، وحمّام طبريّة.
__________________
(١) تعاقب على السّلطنة في الفترة المذكورة : الأشرف پرسباي (٨٢٥ ـ ٨٤١ ه) ، ثم الظاهر چقمق (٨٤٢ ـ ٨٥٧ ه) ، ثم الأشرف إينال (٨٥٧ ـ ٨٦٥ ه).