ثم أحضر السّلطان الأموال وصبّها بين يديه ، فأشار عليه دمرداش بالخروج إلى حلب فلم يوافقه ، وأبى إلا الإقامة في دمشق ، فأشار عليه ثانيا بالعود إلى الدّيار المصرية فلم يرض وأقام بدمشق. وكان رأي دمرداش فيه غاية الجودة ، فإن جميع أمراء التّركمان كانت مع الملك النّاصر ، مثل قرايلك وابن قرمان وبني دلغادر وغيرهم ، فحبّب إليه الإقامة بدمشق لأمر سبق في القدم.
ولمّا أخرج السّلطان الأموال أتاه النّاس من كل فجّ من التّركمان والعربان والعشير (١) وغيرهم ، فكتب أسماءهم وأنفق عليهم وقوّاهم بالسّلاح ، وأنزل كل طائفة منهم بموضع يحفظه ، فكان عدّة من استخدمه من المشاة زيادة على ألف رجل. وحصّن القلعة بالمناجيق والمدافع الكبار ، وجعل بين كل شرّافتين من شرّافات سور المدينة جنويّة (٢) ، ومن ورائها الرّماة بالسّهام الخلنج والأسهم الخطّائية (٣) ، ونصب على كل برج من أبراج السّور شيطانيا (٤) يرمى به الحجارة. وأتقن تحصين القلعة بحيث أنه لم يبق سبيل للتوصّل إليها بوجه من الوجوه.
ثم خلع على نكباي الحاجب بنيابة حماة ، ثم ركب قاضي القضاة جلال الدّين البلقيني ، ومعه بقيّة قضاة مصر ودمشق وجماعة من أرباب الدّولة ، ونودي بين أيديهم عن لسان السّلطان أنه «قد أبطل المكوس وأزال المظالم ، فادعوا له». فعظم ميل الشّاميين إليه وتعصّبوا له ، وصار غالبهم من حزبه ، وغنّوا عن لسانه :
«أنا سلطان ابن سلطان وأنت يا شيخ أمير»
__________________
(١) عبارة العشير يقصد بها أبناء عشائر البدو ، لكن يبدو أنها كانت في ذلك العصر تستعمل بمعنى الفرق غير النّظامية من المرتزقة القادمين من أرياف الشام.
(٢) بحثنا مليّا عن معنى الجنويّة ، فلم نجد سوى ما أورده المقريزي في السّلوك (١ : ٧٥٧ ، ٨٤٠ ، ١١٦٤) من أنها النقّالة أو المركب التي تنقل الجرحي. ولكن المعنى لا يستقيم بها ولا بدّ أن تكون نوعا من الأسلحة الشائعة آنذاك ، نسبة إلى جمهورية جنوة الإيطالية.
(٣) الأسهم الخطّائية : هي سهام عظيمة يرمي بها عن قسيّ عظام توتّر بلولب يجرّ بها ويرمي عنها ، فتكاد تخرق الحجر. انظر : صبح الأعشى للقلقشندي ، ٢ : ١٤٤.
(٤) يبدو أن هذا نوع من المجانيق ، أما لماذا سمّي شيطانيا فالعلم عند الله.