اختار المقريزي تاريخ مصر الإسلاميّة ميدانا لخير جهوده وأعظمها ، فوضع فيها طائفة من أنفس الآثار ، أشهرها على الإطلاق كتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» وهو يعرف بخطط المقريزي ، و «السّلوك لمعرفة دول الملوك» وهو تاريخ دول المماليك في مصر ، وكتاب «المقفّى» وهو سير الأمراء والكبراء الذين عاشوا في مصر ، و «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة» ، و «اتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفا» والمقريزي بالمناسبة ينتمي بنسبه إلى أئمّة الفاطميين ، و «البيان والإعراب عمّا في مصر من الأعراب» ، و «عقد جواهر الأسفاط في تاريخ الفسطاط».
* * *
من بين مؤلّفاته هذه يعنينا هنا كتابه «السّلوك» الذي دوّن فيه أخبار تجريدات السّلطان النّاصر فرج إلى الشام ، وهذه التّجريدات كانت سبعا كما عدّدها مؤرّخ مصر الكبير المعاصر للمقريزي ـ وتلميذه ـ ابن تغري بردي الأتابكي. فأما الأولى في عام ٨٠٢ ه فقد طالعنا أخبارها في نصّ ابن خلدون أعلاه ، والثانية عام ٨٠٣ ه لقتال تيمور لنك تابعنا وقائعها في نصّ الأتابك تغري بردي الظاهري. وأما تجاريد السّلطان الثالثة والرّابعة والخامسة والسّادسة فالأولى نقلها هنا عن المقريزي ، على اعتباره كان أدنى معاصريها ـ لا بل شارك في إحداها عام ٨١٠ ه ـ كما كان فضلا عن ذلك من مقرّبي السّلطان النّاصر ويروي عن معرفة وثيقة.
لكننا بخصوص التّجريدة السابعة عام ٨١٤ ه سوف نحجم عن النّقل منه ، لنأخذ هذه المرّة عن تلميذه ابن تغري بردي ، الذي كان آنذاك طفلا بدأ يعي ما حوله من أحداث ، فنقل بدوره عن المقريزي ، وشفع ذلك بما رآه بعينه حين قابل النّاصر (ابن عمّته) الذي جاء ليعود أباه المريض نائب دمشق الأتابك ، قبل شهر ونصف من مقتل النّاصر. والمهم في نصّه هذا أنه يروي أحداثا شخصيّة ويضيف إليها انتقادا حادّا للمقريزي (كتبه بعد وفاته) ، إذ كان هذا الأخير انضمّ إلى حشد نقّاد النّاصر بعد مقتله ، وسلقه على صفحات «سلوكه» بألسنة حداد!