فلمّا كمل المال ، حمله ابن مفلح إلى تيمور ووضعه بين يديه ، فلمّا عاينه غضب غضبا شديدا ولم يرض به ، وأمر ابن مفلح ومن معه أن يخرجوا عنه ، فأخرجوا من وجهه. ووكّل بهم جماعة حتى التزموا بحمل ألف تومان ، والتّومان عبارة عن عشرة آلاف دينار [من الذّهب] ، إلا أن سعر الذّهب عندهم يختلف. وعلى كل حال ، فيكون جملة ذلك عشرة آلاف ألف دينار.
فالتزموا بها ، وعادوا إلى البلد وفرضوها ثانيا على النّاس [كلّها] عن أجرة أملاكهم ثلاثة أشهر ، وألزموا كلّ إنسان من ذكر وأنثى حرّ وعبد بعشرة دراهم ، وألزم مباشر كلّ وقف بحمل مال له جرم. فنزل بالنّاس بلاء عظيم ، وعوقب كثير منهم بالضّرب ، فغلت الأسعار ، وعزّ وجود الأقوات ، وبلغ المدّ القمح (وهو أربعة أقداح) إلى أربعين درهما فضّة.
وتعطّلت صلاة الجمعة من دمشق ، فلم تقم بها جمعة إلا مرّتين ، حتى دعي بها على منابر دمشق للسّلطان محمود ولوليّ عهده ابن الأمير تيمور لنك ، وكان السّلطان محمود (١) مع تيمور آلة ، كون عادتهم لا يتسلطن عليهم إلا من يكون من ذرّيّة الملوك. انتهى. ثم قدم شاه ملك أحد أمراء تيمور إلى مدينة دمشق ، على أنه نائبها من قبل تيمور.
ثم بعد جمعتين منعوا من إقامة الجمعة بدمشق ، لكثرة غلبة أصحاب تيمور بدمشق ، كلّ ذلك ونائب القلعة ممتنع بقلعة دمشق ، وأعوان تيمور تحاصره أشدّ حصار ، حتى سلّمها بعد تسعة وعشرين يوما ، وقد رمى عليها بمدافع ومكاحل لا تدخل تحت حصر ، يكفيك أن التّمريّة من عظم ما أعياهم أمر قلعة دمشق بنوا تجاه القلعة قلعة من خشب ، فعند فراغهم من بنائها وأرادوا طلوعها ليقاتلوا من أعلاها من هو بالقلعة ، رمى أهل قلعة دمشق نفطا فأحرقوها عن آخرها. فأنشؤوا قلعة ثانية أعظم من الأولى ، وطلعوا عليها وقاتلوا أهل القلعة.
__________________
(١) محمود هذا هو ابن خان عشيرة الجغطاي المغوليّة ، فبعد موت أبيه ساطلمش تزوّج أمّه تيمور لنك ، كبير أمراء الجغطاي ، فصار كفيله والقائم بالدّولة باسمه : محمود خان أو سيور غاتمش خان ، ومات سنة ٨٠٥ ه. انظر ما تقدّم أعلاه في نصّ ابن خلدون.