ولمّا أصبحوا يوم الجمعة وقد فقدوا السّلطان والأمراء والنائب ، غلّقوا أبواب دمشق ، وركبوا أسوار البلد ، ونادوا بالجهاد. فتهيّأ أهل دمشق للقتال ، وزحف عليهم تيمور بعساكره (١) ، فقاتله الدمشقيون من أعلى السّور أشدّ قتال ، وردّوهم عن السّور والخندق ، وأسروا منهم جماعة ممّن كان اقتحم باب دمشق ، وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة ، وقتلوا منهم نحو الألف ، وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة (٢). وصار أمرهم في زيادة ، فأعيا تيمور أمرهم وعلم أن الأمر يطول عليه ، فأخذ في مخادعتهم ، وعمل الحيلة في أخذ دمشق منهم.
* * *
وبينما أهل دمشق في أشدّ ما يكون من القتال والاجتهاد في تحصين بلدهم ، قدم عليهم رجلان من أصحاب تيمور من تحت السّور ، وصاحا من بعد : «الأمير يريد الصّلح ، فابعثوا رجلا عاقلا حتى يحدّثه الأمير في ذلك».
قلت : هذا الذي كان أشار إليه الوالد عند استقراره في نيابة دمشق وقوله : إن أهل دمشق عندهم قوّة لدفع تيمور عن دمشق ، وأن دمشق بلد كثيرة الميرة والرّزق ، وهي في الغاية من التّحصين ، وأنه يتوجّه إليها ويقاتل بها تيمور ، فلم يسمع له أحد في ذلك. فلعمري لو رأى من لا أعجبه كلام الوالد قتال أهل دمشق الآن وشدّة بأسهم وهم بغير نائب ولا مدبّر لأمرهم ، فكيف ذاك لو كان عندهم متولّي أمرهم بمماليكه وأمراء دمشق وعساكرها بمن انضاف إليهم؟ لكان يحقّ له النّدم والاعتراف بالتّقصير. انتهى.
__________________
(١) في الجزء الثالث من كتابي هذا سأنشر نصّ رحلة لجندي باقاري من المرتزقة اسمه يوهان شلتبرغرJohann Schiltberger ، حارب في صفوف جيش المغول على أبواب دمشق.
(٢) كانت العادة بذلك العصر عرض رؤوس القتلى من الأعداء ، رفعا لمعنويات الجند. أما تيمور لنك فكان يقيم أبراجا من رؤوس القتلى ، يروي ابن تغري بردي في نجومه الزّاهرة (١٢ : ٢٢٥) عن حلب : «وعمل تيمور من رؤوس المسلمين منائر عدّة مرتفعة من الأرض نحو عشرة أذرع في دور عشرين ذراعا ، حسب ما فيها من رءوس بني آدم فكان زيادة على عشرين ألف رأس ، ولمّا بنيت جعلت الوجوه بارزة يراها من يمرّ بها». قلت : وفي دمشق إلى اليوم شمالي باب توما محلّة تعرف ب «برج الرّوس»!