وأمّا بقيّة أمراء مصر وأعيانها من القضاة وغيرهم لمّا علموا بخروج السّلطان من دمشق ، خرجوا في الحال في إثره طوائف طوائف يريدون اللّحاق بالسّلطان ، فأخذ غالبهم العشير وسلبوهم ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا.
أخبرني غير واحد من المماليك الظاهرية قالوا : لمّا بلغنا خروج السّلطان ركبنا في الحال ، غير أنه لم يعقنا عن اللّحاق به إلا كثرة السّلاح الملقى على الأرض بالطريق ، ممّا رمتها المماليك السّلطانيّة ليخفّ ذلك عن خيولهم ، فمّن كان فرسه ناهضا خرج ، وإلا لحقه أصحاب تيمور وأسروه ، فممّن أسروه قاضي القضاة صدر الدّين المناوي ، ومات في الأسر حسبما يأتي ذكره في الوفيّات (١). وتتابع دخول المنقطعين من المماليك السّلطانيّة وغيرهم إلى القاهرة في أسوأ حال من المشي والعري والجوع ، فرسم السّلطان لكلّ من المماليك السّلطانيّة المذكورين بألف درهم وجامكيّة شهرين.
وأمّا الأمراء فإنهم دخلوا إلى مصر وليس مع كلّ أمير سوى مملوك أو مملوكين ، وقد تركوا أموالهم وخيولهم وأطلابهم وسائر ما معهم بدمشق. فإنهم خرجوا من دمشق بغتة بغير مواعدة لمّا بلغهم توجّه السّلطان من دمشق ، وأخذ كلّ واحد ينجو بنفسه. وأمّا العساكر الذين خلّفوا بدمشق من أهل دمشق وغيرها ، فإنه كان اجتمع بها خلائق كثيرة من الحلبيين والحمويين والحمصيين وأهل القرى ممّن خرج جافلا من تيمور.
__________________
(١) انظر النّجوم الزّاهرة ، ١٣ : ٢٥. وذكر المقريزي في «السّلوك» بعد هذه الجملة : «وكان قاضي القضاة ولي الدّين عبد الرّحمن بن خلدون المالكي بداخل مدينة دمشق ، فلمّا علم بتوجّه السّلطان تدلّى من سور دمشق وسار إلى تيمور لنك ، فأكرمه وأجلّه وأنزله عنده. ثم أذن له في المسير إلى مصر ، فسار إليها» ، إلخ.
قلت : راجع قصّة ابن خلدون ولقائه بتيمور لنك على أبواب دمشق فيما تقدّم أعلاه (نص رقم ٥٨). كما يذكر المؤرّخ الدّمشقي ابن عربشاه في كتابه «عجائب المقدور في نوائب تيمور» رواية مهمّة عن تملّق ابن خلدون للغازي تيمور لنك ومديحه الباهر له فوق كل وصف ، بخطبة عصماء ارتجّ لها مجلسه!