وفي أوائل عهد الملك النّاصر فرج ثار نائب الشام تنم الحسني الظاهري عام ٨٠٢ ه ، وحالفه على الثورة جماعة من قادة الجيش قدموا الشام ، منهم الأمير أيتمش البجّاسي ومنهم تغري بردي نفسه ، فحاربهم النّاصر ومزّقهم (كما طالعنا في نصّ ابن خلدون أعلاه) ، وهذه كانت من تتمّات حوادث الثّورة ضدّ أبيه الظاهر برقوق في وقعة الأمير المملوكي منطاش ، كما رأينا في نصّ رحلة ابن حجّة الحموي لدمشق عام ٧٩١ ه ، ورحلة الظاهر برقوق نفسه إليها عام ٧٩٦ ه.
أما تغري بردي فقد نفى إلى القدس ، بعد أن عفا السّلطان عنه (بوساطة أخته خوند شيرين أم النّاصر) ، وعيّنه في ٢٠ ربيع الثاني سنة ٨٠٣ ه نائبا لدمشق ، عوضا عن الأمير سودون ، وذلك إبّان حملته إلى الشام لقتال تيمور لنك. وكان الرّجل في حاشية السّلطان بطريقهم للقتال ، فاستهلّ منصبه بوضع خطّة جيّدة للدّفاع عن دمشق في وجه المغول ، لكن سوء ظنّ الأمراء به ـ مع الأسف ـ أفشل مساعيه بأسرها. ومع ذلك ، فقد توجّه بحملته فورا إلى المدينة قبل وصول السّلطان إليها ، وقاد عمليات التحصين وأكّد أن دمشق كان بوسعها الصّمود ، لو لا انسحاب النّاصر المفاجئ خوفا على ملكه ، ولولا سوء إدارة الموقف بعد ذلك على يد القاضي ابن مفلح ، الذي لا يفقه من أمور الحرب والسّياسة شيئا ، فسلّم دمشق للغزاة لقمة سائغة!
وفي أعقاب سقوط دمشق بيد تيمور لنك (في ٢٤ جمادى الأولى ٨٠٣ ه) ، استعفى تغري بردي من نيابتها وعيّن مكانه آقبغا الجمالي ، فأعاد النّاصر في شعبان تعيينه ثانية نائبا عليها. ثم في المحرّم من عام ٨٠٤ ه حاك أمراء مصر مكيدة للإيقاع به بدمشق ، ففرّ إلى دمرداش نائب حلب ووقعت بينهما وبين المصريين وقعات ، انتهت في العام التالي برضا السّلطان عليه وتعيينه قائدا للميسرة قبل خلعه ـ أي النّاصر ـ لمدّة شهرين في عام ٨٠٨ ه. ثم أقام بالقدس ، وتزوّج النّاصر من ابنته فاطمة ، وعاد فاستدعاه ورفّعه أتابكا للعسكر (أمير سلاح) وهو أرفع مناصب الجيش. وفي أواخر عام ٨١٣ ه ولّاه نيابة دمشق للمرّة الثالثة ، فبقي فيها سنة ونيّف حتى وفاته ، قبيل وفاة السّلطان عام ٨١٥ ه.