من فصل
لقاء الأمير تمر سلطان المغل والطّطر
لمّا وصل الخبر إلى مصر بأن الأمير تمر ملك بلاد الرّوم وخرّب سيواس ورجع إلى الشام ، جمع السّلطان عساكره وفتح ديوان العطاء ونادى في الجند بالرّحيل إلى الشام ، وكنت أنا يومئذ معزولا عن الوظيفة ، فاستدعاني دواداره يشبك وأرادني على السّفر معه في ركاب السّلطان ، فتجافيت عن ذلك ، ثم أظهر العزم عليّ بليّن القول وجزيل الإنعام ، فأصخيت وسافرت معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثلاث ، فوصلنا إلى غزّة فأرحنا بها أياما نترقّب الأخبار ، ثم وصلنا إلى الشام مسابقين الطّطر إلى أن نزلنا شقحب.
وأسرينا فصّبحنا دمشق ، والأمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبك قاصدا دمشق ، فضرب السّلطان خيامه وأبنيته بساحة قبّة يلبغا ، ويئس الأمير تمر من مهاجمة البلد ، فأقم بمرقب على قبّة يلبغا يراقبنا ونراقبه أكثر من شهر ، تجاول العسكران في هذه الأيام مرات ثلاثا أو أربعا ، فكانت حربهم سجالا.
ثم نمي الخبر إلى السّلطان وأكابر أمرائه أن بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها ، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم واختلال الدولة بذلك (١). فأسروا ليلة الجمعة من شهر [جمادى الأولى] وركبوا جبل الصّالحية ثم انحطّوا في شعابه وساروا على شافة البحر إلى غزّة ، وركب الناس ليلا يعتقدون أن السّلطان سار على الطريق الأعظم إلى مصر ، فساروا عصبا وجماعات على شقحب إلى أن وصلوا إلى مصر ، وأصبح أهل دمشق متحيّرين قد عميت عليهم الأنباء.
__________________
(١) هذا في الواقع سبب سقوط دمشق بيد تيمور لنك ، لانسحاب الناصر فرج إلى مصر خوفا على ملكه المضطرب فيها. راجع ما يرد أدناه في نصّ الأمير تغري بردي الظاهري ، الذي توجّه إلى الشام بحملة حربية بغية ترتيب قوّاتها للدفاع في وجه الغازي المغولي الرّهيب. لكن للأسف ذهبت جهوده أدراج الرّياح بسبب شكوك أعوان السّلطان بأنه موال للثائرين على النّاصر بدمشق ، فراحت دمشق ضحية السياسة الخرقاء.