ثم ارتحلت من مدفن الخليل إلى غزّة ، وارتحلت منها فوافيت السّلطان بظاهر مصر ، ودخلت في ركابه أواخر شهر رمضان سنة اثنين وثمانمائة. وكان بمصر فقيه من المالكيّة يعرف بنور الدّين ابن الخلّال ، ينوب أكثر أوقاته عن قضاة القضاة المالكية ، فحرّضه بعض أصحابه على السّعي في المنصب ، وبذل بعض موجوده لبعض بطانة السّلطان السّاعين له في ذلك. فتمّت سعايته في ذلك ، ولبس منتصف المحرّم سنة ثلاث ، ورجعت أنا للاشتغال بما كنت مشتغلا به من تدريس العلم وتأليفه ، إلى أن كان السّفر لمدافعة تمر عن الشام.
من فصل
سفر السّلطان إلى الشام لمدافعة الطّطر عن بلاده
ثم زحف تمر إلى الشام سنة ست وتسعين وبلغ الرّها ، والظاهر يومئذ على الفرات ، فخام تمر عن لقائه وسار إلى محاربة طقطمش فاستولى على أعماله كلها ، ورجعت قبائل المغل إلى تمر وساروا تحت رايته ...
ثم بلغه هنالك (١) مهلك الظاهر برقوق بمصر ، فرجع إلى البلاد ومرّ على العراق ثم على أرمينية وأرزنكان حتى وصل سيواس فخرّبها وعاث في نواحيها ، ورجع عنها أول سنة ثلاث من المائة التاسعة ، ونازل قلعة الرّوم فامتنعت ، وتجاوزها إلى حلب ، فقابله نائب الشام وعساكره في ساحتها ففضّهم ، واقتحم المغل المدينة من كلّ ناحية ، ووقع فيها من العيث والنّهب والمصادرة واستباحة الحرم ما لم يعهد الناس مثله (٢).
ووصل الخبر إلى مصر ، فتجهّز السّلطان فرج ابن الملك الظاهر إلى المدافعة عن الشام ، وخرج في عساكره من التّرك مسابقا المغل وملكهم تمر أن يصدّهم عنها.
__________________
(١) أي في دلّي (دلهي بالهند) حيث غزا البلاد يعيث فسادا. وأذكّر هنا أني أنقل باختصار.
(٢) جرى بحلب من فظائع المغول ما لا يقلّ عمّا جرى إثرها بدمشق ، انظر نصّ تغري بردي.