توفي ابن خلدون فجأة بالقاهرة عام ٨٠٨ ه ، وكان فصيحا جميل الصورة عاقلا ، صادق اللهجة عزوفا عن الضّيم طامحا للمراتب العالية. وكان لمّا رحل إلى الأندلس اهتزّ له سلطانها وأركب خاصّته لتلقّيه ، وأجلسه في مجلسه.
اشتهر ابن خلدون بمؤلفات عديدة ، لكن أجلّها وأسماها اعتبارا بين باحثي العربية كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر ، في تاريخ العرب والعجم والبربر ، ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر» ، في سبعة مجلدات. وهو كتاب في التاريخ العام ، اشتهرت منه بوجه الخصوص مقدّمته التي أفردت باسم «مقدّمة ابن خلدون» ، وهي تعدّ بحق من أصول علم الاجتماع ، طبعت وحدها مرارا وترجمت إلى الفرنسية وإلى لغات أخرى عديدة. أول من طبعها كان المستشرق الفرنسي كاترميرE.M.Quatreme ? re في ثلاثة أجزاء بپاريس سنة ١٨٥٨ ، وعلى هذه الطبعة بنى المستشرق الفرنسي دى سلان De Slane ترجمته الفرنسية لمقدّمة العبر الصادرة في پاريس سنة ١٨٦٢ ، بثلاثة مجلدات أيضا. وفي عام ١٨٦٧ نشر كتاب العبر كاملا في بولاق بمصر بعناية الشيخ نصر الهوريني.
وختم ابن خلدون كتاب «العبر» بفصل عنوانه : «التّعريف بابن خلدون» ، ذكر فيه نسبته وسيرته وما يتّصل به من أحداث عصره ، ورحلته إلى المشرق بمصر والحجاز عام ٧٨٩ ه. ثم أفرد هذا الفصل فتبسّط فيه وجعله ذيلا للعبر وسمّاه : «التّعريف بابن خلدون مؤلّف الكتاب ، ورحلته غربا وشرقا». وقام بنشر «التّعريف» مع مقدّمة ابن خلدون مترجما إلى الفرنسية المستشرق دى سلان ، ثم نشره بالعربية العلّامة المغربي محمد بن تاويت الطّنجي ، وطبع ضمن منشورات لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة في عام ١٩٥١.
ومن هذه النّشرة أخذنا النص المتعلّق بإقامة ابن خلدون بدمشق ، وبخاصّة فترة نيابة الأمير المملوكي تنم الحسني الظاهري بدمشق ومصرعه مع الأمير الكبير الأتابك أيتمش البجّاسي على يد السّلطان عام ٨٠٢ ه ، ثم عن سفر ابن خلدون مع السّلطان الناصر فرج إلى دمشق عام ٨٠٣ ه للقاء جيوش المغول.