ثم استهلّ شهر رمضان المعظّم يوم الثلاثاء. وأما مماليك السّلطان فإنها طال عليهم المقام في دمشق ، وفرغت نفقاتهم. وأكثرهم في سكر وقحاب وغير ذلك ، فمنهم من باع خيله ومنهم من باع قماشه ، وانكشفت أحوالهم ، وجرى لهم كما قال المثل (١) : «عديم ووقع في سلّة تين»! وتهتّكوا في دمشق غاية التهتّك ، وقد قال الصّادق المصدوق : «إذا لم تستحي (Sic.) فاصنع ما شئت». وأكثرهم تغيّر عليه الماء والهواء ، فضعف منهم خلق كثير ، ومات منهم جماعة. وحصل للنّاس ضرر كثير من مماليك السّلطان وغيرهم ، فإنهم بقوا يطلعوا إلى بساتين النّاس وإلى البلاد القريبة الذي (Sic.) في الغوطة ، ويأخذوا التّبن والشّعير ، وأي من تكلّم قتلوه. اللهم فرّج عن المسلمين.
وفي سابع عشرين الشهر توفي مشدّ شربخانة السّلطان (٢) ، وكان أمير مائة [ثم] مقدّم ألف ، وخرج له جنازة كبيرة. وفقد من مماليك السّلطان ناس كثير وبلعتهم دمشق ، والسّلطان الملك الظاهر في القلعة المحروسة في أكل وشرب وهدايا وتقادم وانشراح ، والعدوّ المخذول قد راح صوب بلاد الرّوم. واطمأنّت قلوب النّاس وطابت قلوبهم ، وباعت النّاس واشتروا على المصريين ، ولطف الله تعالى بعباده.
* * *
ثم استهلّ شهر شوّال من السنة المذكورة ، وصلّى السّلطان صلاة العيد في الميدان الصغير ، وفرحت النّاس ودقّت البشائر ، والنّاس يتفرّجوا على السّلطان ، وردّ إلى القلعة والجيش كلهم ماشين قدّامه ، وطلع من باب السرّ (٣). فسبحان مالك الملوك ، لا إله إلا هو.
__________________
(١) ما زال هذا المثل سائرا لدينا بدمشق باللفظ ذاته ، لا حظ بقاء التعابير حيّة.
(٢) المشدّ من مصطلحات العهد المملوكي وتعني : المدير العام ، ومشدّ الشربخانة كان هو المسؤول عن شراب السّلطان وبلاطه ، مع ما يتبع ذلك من ترتيب وآنية ومراسم.
(٣) كان الباب الغربي القديم لقلعة دمشق يستعمل لدخول وخروج السلاطين والنواب بصورة سريّة ، فلذلك كان يسمّى «باب السرّ» ، ومثل ذلك في قلعة حلب.