ورغم أن كتاب ابن صصرى المعنون يندرج تحت طائفة كتب الحوادث اليوميّة ، فقد شحنه مؤلّفه بأخبار وقصص كثيرة عن دمشق وفضائلها ونوادر ما وقع بها من حوادث غريبة ما زالت في عصره حيّة في ذاكرتها الشعبية ، وإن كان ذلك مما يخرج عن إيقاع سرد الحوادث الذي عقد لأجله الكتاب ، فهذا ما جعله متأرجحا ما بين كتب الحوليات التاريخية ومصادر البلدانيّات والفضائل.
غير أنه برغم هذا كلّه أفادنا بتقديم صورة حيّة ودقيقة لحياة المجتمع الدّمشقي أواخر عهد السّلطان الظاهر برقوق ، بما وقع أثناء ذلك من حوادث سياسية واجتماعيّة ، كفتنة الأمير منطاش وأزمة ابن النّشو. أما فتنة منطاش عام ٧٩١ ـ ٧٩٢ ه فقد كنا قد طالعنا بعض أخبارها أعلاه في نص رحلة ابن حجّة الحموي ، ورأينا مدى التّنكيل الذي أصاب المدينة على أيدي قوّات السّلطان ، إثر انتصاره على غريمه الثائر. وهذا ما يظهر جليّا في النصّ الذي سنقدّمه أدناه حول تعسّف مماليك السّلطان بدمشق أثناء زيارته (بعد ٤ أعوام من القضاء على ثورتها) على اعتبار أن : «أهل دمشق عندهم مناحيس مناطشة ، وأهل مصر يبغضوا (sic.) أهل دمشق من قبل هذه الواقعة».
هذه الواقعة تؤلّف ـ كما كنا أسلفنا ـ نقطة انعطاف في تاريخ الدّولة المملوكية ، ما بين مرحلتي حكم المماليك البحرية من الأتراك ، وحكم المماليك البرجية من الچراكسة. حيث أن الظاهر برقوق ـ أول سلاطين الچراكسة ـ قوبل بالرّفض من قبل طبقة الأمراء المماليك في دمشق ، إبّان عهد نائبها بيدمر وخلفه بزلار. ورام هؤلاء الأمراء خلع السّلطان الجديد ، فألّبوا عليه بلاد الشّام بأسرها وكان المحرّك الأكبر لجبهة المعارضة الأمير المملوكي منطاش.
انتهت أحداث وقعة منطاش بانتصار السّلطان القوي عليه وإعدامه بدمشق عام ٧٩٢ ه ، بعد إخماد ثورته بكل قسوة وعنف ، لقيت منهما المدينة المقهورة كل عسف وتخريب ، على اعتبارها كانت مركز النشاط السّياسي المعادي لبرقوق فنال سخطه المدينة بأسرها ، رغم أنها كانت ترقب ما يجري بلا إرادة.