واستقبل المملوك بعد ذلك بلاد الشّام ، فبئس الحال وبئس الاستقبال ، فو الرّحمن ما وصل بها إلى مكان إلّا وجده قد وقعت فيه الواقعة واشتدّ القتال ، وحصدوا سنبل الرّشاد فدرست فلا أعيد لمعيد حربهم دروس ، وأداروا رحى الحرب بقلوب كلأحجار فطحنت عند ذلك الرؤوس ، وأنشد لسان الحال :
|
من كلّ عاد كعاد في تجبّره |
|
من فوق ذات عماد شادها إرم |
|
لا يجمعون على غير الحرام إذا |
|
تجمّعوا كحباب الرّاح وانتظموا |
وانتهت الغاية بالمملوك إلى أنه شلح بقرب (الكسوة) (١) في الشتاء ، وانتظرت ملك الموت وقد أمسيت :
|
لي مهجة في النازعات وعبرة |
|
في المرسلات وفكرة في هل أتى |
هذا ، والليل قد انطفأت مصابيح أنواره وعسعس ، حتى أيقنت بموت الصّبح وقلت لو كان في قيد الحياة تنفّس. فذهب المملوك وقد تزوّد عند قسم الغنيمة بسهم فجرح ولم يجد له تعديلا ، ولكنه صبر على الألم بعد ما كاد يدمي من الوهم ولم يلق له مجيرا ، لمّا قوي ألمه وضعف منه الحيل ، إلّا أنه دخل تحت ذيل الليل ، فوصل إلى البلد وقد ودّ يومه لو تبدّل بالأمس ، ولم يسلم له في رقعة الحرب غير الفرس والنّفس ، ولكنه أنشد :
|
ما تفعل الأعداء في جاهل |
|
ما يفعل الجاهل في نفسه |
فأعاذ الله مولانا وبلاده من هذه القيامة القائمة ، وبدأ به في الدنيا ببراعة الأمن ، وفي الآخرة بحسن الخاتمة.
(ثمرات الأوراق ، ٣٨١ ـ ٣٩٥)
__________________
(١) قرية معروفة (صارت بلدة) ، إلى الجنوب من دمشق على طريق حوران.