ذكر توجّه السّلطان إلى الشام
[المحرّم سنة ٦٧٢ ه]
وكانت الأخبار قد وردت بحركة أبغا ملك التّتار (١) ، فخرج السّلطان في ليلة السّادس والعشرين من المحرّم ، وصحبته جماعة من أمرائه الخاصّة ، فحمل كلفهم في هذه السّفرة. وفي أثناء الطريق قوي الخبر بحركة التّتار ، فكتب بخروج العساكر جميعها والعربان من الدّيار المصريّة صحبة الأمير بدر الدّين الخزندار ، ورسم بأن جميع من في مملكته ممّن له فرس يركب للغزاة ، وأن يخرج أهل كل قرية بالشام من بينهم خيّالة على قدر حال أهل القرية ، ويقومون بكلفهم.
ودخل دمشق في سابع عشر من صفر من هذه السنة ، وكان رحيل العساكر من مصر في العشرين من صفر من هذه السنة ، ووصلوا يافا ، وورد المرسوم على الأمير بدر الدّين الخزندار بالنّزول قريبا من يافا. ولمّا علم السّلطان خروج العساكر من مصر وحضورهم ، ركب من دمشق في جماعة يسيرة مقدار أربعين نفرا جرائد ، ولم يستصحبوا ركاب دارا من دمشق ولا غيره.
فوصلوا وقد طلّبت العساكر وقاربت المنزلة ، فاعترضهم السّلطان وجماعته ملثّمين ، فاعتقدهم الحجّاب تركمانا ، فرسموا لهم بالترجّل فما ترجّلوا ، وساق السّلطان منفردا وجاء من خلف السّناجق ، وحسر اللّثام عن وجهه فعرفه السّلاح داريّة (٢) ، ودخل وساق في موكبه ، فنزل النّاس وقبّلوا الأرض ، وساق ونزل بدهليزه فرتّب مصالح.
__________________
(١) أبغا هذا هو ابن خان التّتر هولاگو ، الذي فشل في عام ٦٥٨ ه في غزو مصر بسبب سفره إلى قراقوروم عاصمة إمبراطورية التّتر ، لوفاة أخيه منگو خان التّتر الأكبر ، كما ذكرنا في نصّ الصّارم أزبك أعلاه. لكن أبغا فشل فشلا ذريعا في تحقيق ما عجز عنه أبوه.
(٢) هذه الجرأة لا يقدم عليها إلا أشدّاء الرّجال ، فعادة السّلاطين ألا يتحرّكوا إلا بالطبول والزّمور والحرس والجيوش والصّخب واللّغط. وفي عصر المماليك اشتهر سلاطين أظهروا بطولات شخصية وجرأة نادرة ، مثل : الظاهر بيپرس ، والأشرف خليل ابن قلاوون ، والنّاصر فرج ، والأشرف قايتباي.