يا مولانا ، لقد بكى المملوك من الأسف بدمعة حمراء على ما جرى من أهل (الشّهباء) في (الميدان) على (الشّقراء) (١) حتى كذّب الناس من قال :
|
قل للذي قايس بين حلب |
|
وجلّق بمقتضى عيانها |
|
ما تلحق الشّهباء في حلبتها |
|
تعثّر الشّقراء في ميدانها |
فقال لسان الحال : والله ما كذب ، ولكنّه قد يخبو الزّناد ، وقد يكبو الجواد ، وقد يصاب الفارس بالعين التي تغمز قناته غمزا.
|
ومن ظنّ أن سيلاقي الحروب |
|
وألّا يصاب فقد ظنّ عجزا |
ودخلت بعد ذلك إلى البلد ، فوجدت على أهله من دروع الصبر سكينة ، فقلت : يا ربّ مكّة والحرم انظر إلى أحوال أهل المدينة. ولكن ما دخلت بها إلى حمّام إلّا وجدته قد ذاق لقطع الماء عنه حماما ، وعلم القوّام والقاعدون بأرضه أنها (ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ،) وتلي على بيت ناره : (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً ،) فحسن أن أنشده قول ابن الجوزي :
|
والحارّ عندك بارد |
|
والنّهر أمسى منقطع |
|
والعين لا ماء فيها |
|
ما حيلة القوّام |
وأتيت بعد ذلك إلى (الجامع الأمويّ) ، فإذا هو لأشتات المحاسن جامع ، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالإضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع. وتمسّكت بأذيال حسنه لمّا نشقت تلك النفحات السحرية ، وتشوّقت إلى النظم والنثر لمّا نظرت إلى تلك الشذور الذهبية ، وآنست من جانب طوره نارا فرجع لي ضياء حسّي ، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زهي بالبساط والكرسي ، وقلت : هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا ، وشقي من لم يدس بساطه ويأته طائعا ، ولقد صدق من قال :
__________________
(١) توريات بحلب الشّهباء ، والميدان الأخضر ووادي الشقراء مما يلي دمشق غربيها رأسا.
وقوله : ما جرى من أهل الشهباء ، يعني انحياز الحلبيين إلى برقوق ضد دمشق.