وخرّ نهر (حمص) (١) خاضعا وتكدّر بعدما كان يصفي لنا قلبه ، وافتقر أغنياء غصونه من حبّات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبّة. طالما كان أهله فاكهين ، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم فقالوا : (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ.)
وذبلت عوارض تلك (الجزيرة) (٢) التي كانت على وجنات شطوطه مستديرة ، فقلنا بعد (عروس) دمشق و (حماتها) لا حاجة لنا ب (حمص) و (الجزيرة). فيا لهفي على منازل (الشّرف) (٣) وذلك (الوادي) (٤) الذي نعق به غراب البين ، ويا شوقي إلى رأس تلك (المرجة) التي كانت تجلسنا قبل اليوم على (الرأس) و (العين) (٥).
هذا وقد اسودّت (الشّقراء) ، فأمست كابية لما حصل على ظهرها من الجولان ، وجانبها العكس فأضحت باكية على فراق (الأبلق) و (أخضر) ذلك (الميدان).
__________________
(١) نهر حمص هذا المذكور يريد به المؤلف فرعا من بردى يتفرع منه في منطقة (الوادي التحتاني) شرقي الربوة ، في المنطقة المعروفة في أيامنا بكيوان. وكانت المنطقة الواقعة بين مرجة جسر ابن شوّاش (شرقي طاحون الرهبان بكيوان) ومحلّة النيربين تعرف باسم أراضي (حمص) كما يستخلص من وصف البدري في أواخر القرن التاسع الهجري.
راجع نصّه أدناه. وموقع هذه المنطقة اليوم ينطبق على الجزء الأسفل الجنوبي من حديقة تشرين ، إلى الشرق مباشرة من جسر تشرين.
(٢) تورية عمّا كان يعرف بدمشق في العهد المملوكي بجزيرة بين النهرين ، هي مبتدأ الوادي الأخضر من جهة الشّرق ، تمتدّ بين جامع يلبغا وجامع تنكز ، أي ما ينطبق اليوم على الجزء الغربي من ساحة المرجة (ساحة الشهداء). حيث كان نهر بردى هناك (قبل تغطيته عام ١٨٦٦ م) ينقسم إلى قسمين تتشكل بينهما جزيرة. راجع وصف البدري لها.
وبقيت المحلّة إلى أواخر العهد العثماني قبيل نشوء ساحة المرجة في عهد التنظيمات ، واشتهرت بها في القرن الحادي عشر الهجري قهوة بين النّهرين ، التي كانت من أجمل متنزهات دمشق ، وصفها الرّحالة الفرنسي جان تيقنوJean The ? venot عام ١٦٦٤.
راجع كتابي : «وصف دمشق في القرن السابع عشر» ، ص ٧٧.
(٣) الشّرفان رابيتان على جانبي بردى ، من البحصة شرقا إلى آخر مرجة الحشيش غربا.
(٤) أي الوادي الأخضر وهو وادي بردى الفوقاني المارّ بالمرجة (غربي ساحة المرجة) والميدان الأخضر (مرجة الحشيش) ، والوادي التحتاني المار ببساتين كيوان شرقي الرّبوة.
(٥) كانت في جزيرة بين النهرين عند رأس الوادي عين تعرف بعين القصّارين ، غارت قديما.