وأصبحت أوقات (الرّبوة) بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيرة ، ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة ، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم ، وضاع من غير تورية عطره النّاسم ، ولم ينتظم لزهره المنثور على ذلك الوشي المرقوم رسالة من النسيم سحرية ، وكيف لا وقد محا سجع المطوّق من طروس تلك الأوراق النباتية.
هذا وكم عروس روض سوّر معصمها النقش فلمّا انقطع نهرها صحّ أنها كسرت السّوار ، وكم دولاب نهر بطل غناؤه على تشبيب النسيم بالقصب وعطلت نوبته من تلك الأدوار ، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التّشبيب موصولا ، وأنشد ولم أجد بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى (الرّبوة) دخولا :
|
لم لا أشبّب بالعيش الذي انقرضت |
|
أوقاته وهو باللّذات موصول |
ونقص (يزيد) (١) فاحترق ، ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه ، وانقطع ظهر (ثورا) (٢) فأهلك الحرث والنسل بقطعه ، وذاب (بردى) وحمي مزاجه لمّا شعر بالحريق ، ولم يبق في ثغره الأشنب بدرر حصبائه ما يبلّ الريق. وانقطع وقد اعتل من غيضه (بانياس) ، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس. وجرى الدّم من شدّة الطعن ب (القنوات) ، وكسرت قناة (المرجة) (٣) فذاقت مرّ العيش بعد حلاوة تلك القطوف الدانيات. وكسر (الخلخال) (٤) لمّا قام الحرب على ساقه ، وسقط رأس كل غصن على (الجبهة) (٥) فهاجت البلابل على أوراقه.
__________________
(١) أحد فروع بردى السّبعة التي تتفرّع في منطقة المقسم ، وهو أعلاها ارتفاعا ويسقي ضاحية الصّالحيّة. سمّي نسبة إلى يزيد بن معاوية ، فلهذا التّورية حول نقصه وجواز حرقه.
(٢) ثورا وبانياس والقنوات أيضا من فروع بردى المعروفة.
(٣) المرجة أرض خضراء كانت تمتدّ من ساحة المرجة الحاليّة إلى القصر الأبلق (التكيّة اليوم).
(٤) الخلخال من محالّ دمشق المعروفة في العهد المملوكي ، فصّلنا بذكرها في نصّ البدري.
(٥) الجبهة من متنزّهات دمشق في العهد المملوكي ، في الطرف الشرقي لساحة الأمويين مع المسبح البلدي ومطعم النّبلاء في أيامنا كما أعتقد ، راجع نصّ البدري أدناه.