وتغرّبت إلى ظاهر (الباب الشرقي) (١) فتشرّقت بالدّمع من شدّة الالتهاب فلقد كان أهله من دار عنبه وكرومه الكريمة في جنّتين من نخيل وأعناب. وتوصّلت إلى ظاهر (باب كيسان) (٢) ، فأنفقت كيس الصبر لما افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها ، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت : (بِسْمِ اللهِ مَجْراها).
وكابرت إلى أطراف (الباب الصغير) (٣) ، فوجدت فاضل النار لم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فيا لهفي على (عروس) دمشق التي لم تذكر مع محاسنها أسماء ولا الجيداء ، لقد كانت (ستّ الشّام) (٤) فاستعبدها ملك النار حتى صارت جارية سوداء. ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام ، وفطم جنين نبتها عن رضاع ثدي الغمام ، فاستسقيت لها بقول ابن أسعد حين قال :
|
سقى دمشق وأياما مضت فيها |
|
مواطر السحب ساريها وغاديها |
|
ولا يزال جنين النّبت ترضعه |
|
حوامل المزن في أحشا أراضيها |
|
فما نضا حبّها قلبي لنيربها |
|
ولا قضى نحبه ودّي لواديها |
|
ولا تسلّيت عن سلسال ربوتها |
|
ولا نسيت مبيتى جار جاريها |
هذا وكم خائف قبل اليوم آويناه بها (إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ،) وكم كان بها مطرب طير خرج بعدما كان يطرب على عود وطار. وبطل (الجنك) (٥) لمّا انقطعت أوتار أنهاره فلم يبق له مغنى ، وكسر (الدّفّ) لما خرج نهر (المغنية) عن المعنى ، واستسمج الناس من قال :
|
انهض إلى الرّبوة مستمتعا |
|
تجد من اللذّات ما يكفي |
|
فالطير قد غنّى على عوده |
|
في الرّوض بين الجنك والدّف |
__________________
(١) الباب الشّرقي وباب كيسان والباب الصغير من أبواب دمشق المعروفة.
(٢) ستّ الشام : تورية باسم بستان كان عائدا لستّ الشّام خاتون ، أخت صلاح الدّين.
(٣) الچنك والدّف توريتان باسميّ موقعين بالرّبوة ، راجع تفصيلاتهما في نصّ البدري أدناه.