هذا وكم نظرت إلى سماء ربع غربت شمسه بعد الإشراق ، فأنشدت وقد ازددت كربا من شدّة الاحتراق :
|
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا |
|
فإنك كنت الشّرق للشّمس والغربا |
وانتهيت إلى (الطواقيين) (١) ، وقد أسبل عليهم الحريق شدّته فكشفوا الرّؤوس لعالم السّرائر ، وكم ذات ستر خرجت بفرق مكشوف ورمت العصائب وبعلها بعينيه دائر.
هذا وكم ناهدات :
|
أسبلن من فوق النّهود ذوائبا |
|
فتركن حبّات القلوب ذوائبا |
ووصلت إلى ظاهر (الفراديس) (٢) ، وقد قام كلّ إلى فردوس بيته ، فاطلع فرآه في سواء الجحيم ، واندهشت لتلك الأنفس التي ماتت من شدّة الخوف ، وهي تستغيث بالذي (أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ).
ونظرت إلى ظاهر (باب السّلامة) (٣) ، وقد أخفت النار أعلامه ، ولقد كان أهله من صحّة أجسامهم ومن اسمه كما يقال بالصحة والسلامة.
وإلى (الشلّاحة) ، وقد لبست ثياب الحزن وذابت من أجلها الكبود ، وقعدوا بعد تلك الرّبوع على أديم الأرض ونضجت منهم الجلود ، ولقد والله عدمت لذّة الحواس الخمس ، وضاقت عليّ الجهات الستّ فلم ترقأ لي دمعة ، وأكلت الأنامل من الأسف لمّا سمعت بحريق أطراف (السّبعة) ، فأعيذ ما بقي من (السّبعة) بالسّبع المثاني والقرآن العظيم ؛ فكم رأينا بها يعقوب حزن رأى سواد بيته فاصفرّ لونه (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ).
__________________
(١) من أسواق دمشق القديمة ، ذكره يوسف ابن عبد الهادي في رسالته «نزهة الرّفاق».
(٢) باب الفراديس من أبواب دمشق الشمالية ، بين بابي الفرج والسّلامة. يعرف في أيامنا بباب العمارة ، أما محلّة ظاهر باب الفراديس المذكورة فهي اليوم العمارة البرّانيّة.
(٣) من أبواب دمشق الشمالية المعروفة إلى الغرب من باب توما ، يعرف اليوم بباب السّلام.