وتصفّحت بعد ذلك فاتحة (باب النّصر) (١) ، فعوّذته بالإخلاص وزدت لله شكرا وحمدا ، وتأمّلت أهل البلد وهم يتلون لأهل البلد في سورة الفتح وللمحاصرين : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ،) كم طلبوا فتحه فلم يجدوا لهم طاقة ، (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.)
ونظرت إلى ما (تحت القلعة) (٢) من أسواق التجّار ، فوجدت كلا قد محت النّار آثاره ، وأهله يتلون : (قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ) فمنهم من شأنه على صاحبته وبنيه ، وآخر قد استغنى بشأن نفسه ، فهم كما قال الله : (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ،) فوقفت أنشد في تلك الأسواق وقد سعّرت : ألا موت يباع فأشتريه.
ونظرت إلى المؤمنين الرّكّع السّجود ، وهم يتلون على من ترك في بيوتهم أخدودا من وقود النار وقعد لحربهم في ذلك اليوم المشهود : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ* وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ.)
هذا وكم مؤمن قد خرج من دياره حذر الموت ، وهو يقول النجاة وطلب الفرار ، وكلّما دعاه قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار : (وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ.)
ونظرت إلى ضواحي البلد وقد استدّت في وجوههم المذاهب ، وما لهم من الضيق مخرج ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت لما غلق في وجوههم (باب الفرج) ، فقلت : اللهم اجعل لهم من كلّ همّ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ولعدم أموالهم من كل عسر يسرا ، ولانهتاك مخدراتهم من كل فاحشة سترا ، ولقطع الماء عنهم إلى كل خير سبيل ، فأنت حسبنا ونعم الوكيل.
__________________
(١) باب النصر كان من أبواب دمشق القديمة جنوبي القلعة ، عند مدخل سوق الحميدية.
(٢) تحت القلعة محلّة مشهورة في العهد المملوكي ، يفصّل بوصفها أبو البقاء البدري أدناه.