وتطاولت إلى السّور المشرف وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات ، فما وقفنا على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تلخيصا لما أبداه من المشكلات ، وما أحقّه بقول القائل :
|
فضائله سور على المجد حائط |
|
وبالعلم هذا السّور أضحى مشرفا |
ثم حملوا عليه وظنّوا في طريق حملتهم نصرا ، ونصبوا دست الحرب ولم يعلموا بأنه قد طبخ لهم على كل باب قدرا ، فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب وقد تصاعدت فيه أنفاس الرجال لقلت : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ،) وإلى المحاصرين وقد جاؤوا راجلا وفارسا ليشهدوا القتال لقلت : (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ،) وإلى كواكب الأسنّة وقد انتثرت ، وإلى قبور الشهداء وهي من تحت أرجل الخيل قد بعثرت ، وإلى كرّ الفوارس وفرّها لقلت : (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ،) وإلى نار النفط وقد نفطت من غيضها ، وإلى ذكور السّيوف وقد وضعت المنايا السود وتعذّرت من شدّة الدماء لكثرة حيضها :
|
ومن العجائب أن بيض سيوفهم |
|
تلد المنايا السّود وهي ذكور |
وإلى فارس الغبار وقد ركب صهوات الجوّ ولحق بعنان السماء ، وإلى أهداب السهام وقد بكت لمّا تخضّبت بالدماء. وإلى كل هارب سلب عقله ، وكيف لا وخصمه له تابع ، وإلى كل مدفع وما له عند حكم القضاء دافع ، وإلى قامات أقلام الخط وقد صار لها في طروس الأجسام مشق ، فاستصوبت عند ذلك رأي من قال :
عرّج ركابك عن دمشق
ونظرت بعد ذلك إلى العشير وقد استحلّ في ذي الحجّة المحرّم ، وحمل كل قيسي يمانيا وتقدّم ، فخرج النساء وقد أنكرن منهم هذا الأمر العسير ، فقلت :
|
وغير بدع للنّسا |
|
ءإذا تنكّرت العشير |